نطاق مختصر: www.mjls.org حمل شريط الأدوات من موقع مجالسنا شريط الأدوات سفراء مجالسنا سفراؤنا واب مجالسنا واب Total Users Online عدد المتواجدين : 45877





:: قصص الأنبياء >> يوسف عليه السلام‎
عدد القراء : 4574 خيارات : طباعة يوسف عليه السلام‎
:: نص الموضوع :

‎ ‏ولد سيدنا يعقوب وكان له 11 أخا‏‎ ‎وكان أبوه يحبه كثيرا وفي ذات ليلة رأى أحد عشر كوكبا ‏والشمس والقمر له ساجدين، فقص‎ ‎على والده ما رأى فقال له ألا يقصها على إخوته، ولكن ‏الشيطان وسوس لإخوته فاتفقوا‎ ‎على أن يلقوه في غيابات الجب وادعوا أن الذئب أكله، ثم ‏مر به ناس من البدو فأخذوه‎ ‎وباعوه بثمن بخس واشتراه عزيز مصر وطلب من زوجته أن ‏ترعاه، ولكنها أخذت تراوده عن‎ ‎نفسه فأبى فكادت له ودخل السجن، ثم أظهر الله براءته ‏وخرج من السجن ، واستعمله‎ ‎الملك على شئون الغذاء التي أحسن إدارتها في سنوات ‏القحط، ثم اجتمع شمله مع إخوته‎ ‎ووالديه وخروا له سجدا وتحققت رؤياه‎.‎

تختلف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم عن بقية قصص الانبياء، فجاء‎ ‎قصص الأنبياء في عدة سور، بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة‎.

قال‎ ‎تعالى في سورة (يوسف‎):

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا‏‎ ‎أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ‎ ‎الْغَافِلِينَ‎



واختلف العلماء لم سميت هذه القصة أحسن القصص؟ قيل‎ ‎إنها تنفرد من بين قصص القرآن ‏باحتوائها على عالم كامل من العبر والحكم.. وقيل لأن‎ ‎يوسف تجاوز عن إخوته وصبر عليهم ‏وعفا عنهم.. وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين،‎ ‎والعفة والغواية، وسير الملوك والممالك، ‏والرجال والنساء، وحيل النساء ومكرهن،‎ ‎وفيها ذكر التوحيد والفقه، وتعبير الرؤيا وتفسيرها، ‏فهي سورة غنية بالمشاهد‎ ‎والانفعالات.. وقيل: إنها سميت أحسن القصص لأن مآل من ‏كانوا فيها جميعا كان إلى‎ ‎السعادة‎.

ومع تقديرنا لهذه الأسباب كلها.. نعتقد أن ثمة سببا مهما يميز هذه‎ ‎القصة.. إنها تمضي في ‏خط واحد منذ البداية إلى النهاية.. يلتحم مضمونها وشكلها،‎ ‎ويفضي بك لإحساس عميق ‏بقهر الله وغلبته ونفاذ أحكامه رغم وقوف البشر‎ ‎ضدها‎.

وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ‎

هذا ما تثبته قصة يوسف بشكل‎ ‎حاسم، لا ينفي حسمه أنه تم بنعومة وإعجاز‎.

لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه‎ ‎السلام- ولنقسمها لعدد من الفصول والمشاهد ليسهل ‏علينا تتبع الأحداث‎.‎

تختلف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن لاكريم عب بقية قص الانباء، فجاء‏‎ ‎قصص الأنبياء في عدة سور، بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة‎.

قال‎ ‎تعالى في سورة (يوسف‎):

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا‎ ‎أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ‎ ‎الْغَافِلِينَ‎



واختلف العلماء لم سميت هذه القصة أحسن القصص؟ قيل‎ ‎إنها تنفرد من بين قصص القرآن ‏باحتوائها على عالم كامل من العبر والحكم.. وقيل لأن‎ ‎يوسف تجاوز عن إخوته وصبر عليهم ‏وعفا عنهم.. وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين،‎ ‎والعفة والغواية، وسير الملوك والممالك، ‏والرجال والنساء، وحيل النساء ومكرهن،‎ ‎وفيها ذكر التوحيد والفقه، وتعبير الرؤيا وتفسيرها، ‏فهي سورة غنية بالمشاهد‎ ‎والانفعالات.. وقيل: إنها سميت أحسن القصص لأن مآل من ‏كانوا فيها جميعا كان إلى‎ ‎السعادة‎.

ومع تقديرنا لهذه الأسباب كلها.. نعتقد أن ثمة سببا مهما يميز هذه‎ ‎القصة.. إنها تمضي في ‏خط واحد منذ البداية إلى النهاية.. يلتحم مضمونها وشكلها،‎ ‎ويفضي بك لإحساس عميق ‏بقهر الله وغلبته ونفاذ أحكامه رغم وقوف البشر‎ ‎ضدها‎.

وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ‎

هذا ما تثبته قصة يوسف بشكل‎ ‎حاسم، لا ينفي حسمه أنه تم بنعومة وإعجاز‎.

لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه‎ ‎السلام- ولنقسمها لعدد من الفصول والمشاهد ليسهل ‏علينا تتبع الأحداث‎.‎


المشهد الثاني‎:


اجتمع أخوة يوسف يتحدثون‎ ‎في امره‎.

لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ‎ (7) ‎إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ‏وَنَحْنُ‎ ‎عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ‎ ‎اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ‏وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ‎ ‎قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ‎ ‎وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ‏يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ‎ ‎فَاعِلِينَ‎

تقول أوراق العهد القديم إن يوسف حدثهم عن رؤياه.. ولا يفيد‎ ‎السياق القرآني أن ذلك وقع.. ‏ولو وقع لجاء ذكره على ألسنتهم.. ولكان أدعى أن يهيج‎ ‎حقدهم عليه فيقتلوه.. لذلك لنبقى ‏مع السياق القرآني. (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ‎ ‎وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي‎ ‎ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) أي نحن مجموعة قوية تدفع وتنفع، فأبونا مخطئ في تفضيل هذين‎ ‎الصبيين ‏على مجموعة من الرجال النافعين الدافعين‎!

اقترح أحدهم حلا‎ ‎للموضوع.. اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا‎

إنا الحقد وتدخل‎ ‎الشيطان ضخم حب أبيهم ليوسف وإيثاره عليهم حتى جعلها توازي القتل. ‏أكبر جرائم الأرض‎ ‎قاطبة بعد الشرك بالله. وطرحه في أرض بعيدة نائية مرادف للقتل، لأنه ‏سيموت هناك لا‎ ‎محاله‎.

ولماذا هذا كله؟! حتى لا يراه أبوه فينساه فيوجه حبه كله لهم. ومن ثم‎ ‎يتوبون عن جريمتهم‎.

وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ‎

قال قائل منهم -حرك الله أعماقه بشفقة خفية، أو أثار الله في أعماقه رعبا‎ ‎مهولا من القتل، ‏قال هذا القائل: ما الداعي لقتله؟ أنتم تريدون الخلاص منه.. تعالوا‎ ‎نلقه في بئر تمر عليها ‏القوافل.. ستلتقطه قافلة وترحل به بعيدا.. سيختفي عن وجه‎ ‎أبيه.. ويتحقق غرضنا من ‏إبعاده‎.

انهزمت فكرة القتل، واختيرت فكرة النفي‎ ‎والإبعاد. نفهم من هذا أن الأخوة، رغم شرهم ‏وحسدهم، كان في قلوبهم، أو في قلوب‎ ‎بعضهم، بعض خير لم يمت بعد‏‎.


المشهد الثالث‎:


توجه الأبناء لأبيهم يطلبون‎ ‎منه السماح ليوسف بمرافقتهم‎.

قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا‎ ‎عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ‎ ‎وَيَلْعَبْ وَإِنَّا ‏لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن‎ ‎تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ‎ ‎‎(13) ‎قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا‎ ‎لَّخَاسِرُونَ‎

دار الحوار بينهم وبين أبيهم بنعومة وعتاب خفي، وإثارة‎ ‎للمشاعر.. مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ‏‏..؟‎

أيمكن أن يكون يوسف‎ ‎أخانا، وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه، ونحن نحبه وننصح ‏له ونرعاه؟‎ ‎لماذا لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟ أفضل لصحته الخروج واللعب والانطلاق.. انظر ‏إلى‎ ‎وجهه الأصفر من فرط البقاء في البيت.. إن لون الطفل يشحب لأنه لا يمارس في ‏طفولته‎ ‎اللعب‎.

وردا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه السلام ينفي‎ -‎بطريقة غير مباشرة- ‏أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل احتجازه معه بقلة صبره على فراقه‎ ‎وخوفه عليه من الذئاب‎:

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ‎ ‎وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ‎

ففندوا‎ ‎فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله.. نحن عشرة من الرجال.. فهل نغفل عنه ونحن‎ ‎كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك.. لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف‎ ‎عليه‎.

وافق الأب تحت ضغط أبنائه.. ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي‎ ‎مشيئته‎!‎

المشهد الرابع‎:


فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ‎ ‎وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ‎ ‎لَـتُـنَـبِّـأَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ ‏لَا يَشْعُرُونَ‎

صحبوا‎ ‎يوسف في اليوم التالي وذهبوا به إلى الصحراء.. اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور‎ ‎القوافل وحملوه وهموا بإلقائه في البئر.. وأوحى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف‎.. ‎وأنه ‏سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه‎.

المشهد‎ ‎الخامس‎:

وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (16) قَالُواْ يَا أَبَانَا‎ ‎إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ‎ ‎الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَآؤُوا‎ ‎عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‎

عند العشاء جاء الأبناء باكين ليحكوا لأبيهم‎ ‎قصة الذئب المزعومة‏‎.

لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا‎ ‎أهدأ أعصابا ما فعلوها من المرة الأولى ‏التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف‎ ‎معهم! ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، ‏يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى. كذلك كان‎ ‎التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلا ‏على التسرع، وقد اكن أبوهم يحذرهم منها أمس،‎ ‎وهم ينفونها، ويكادون يتهكمون بها. فلم ‏يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح‎ ‎ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه ‏امس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه‎ ‎بدم كذب لطخوه به في غير إتقان ونسوا في ‏انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف.. جاءوا‎ ‎بالقميص كما هو سليما، ولكن ملطخا بالدم.. ‏وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم حين‎ ‎قالوا: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي ‏وما أنت‎ ‎بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله‎.

أدرك يعقوب من دلائل الحال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة الواضحة، أن يوسف لم‎ ‎يأكله ‏الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، فواجههم بأن‎ ‎نفوسهم قد ‏حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر متحملا متجملا‎ ‎لا يجزع ولا ‏يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل‏‎ ‎وأكاذيب‎:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‎ ‎وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ


المشهد الأخير من الفصل الأول من حياة سيدنا يوسف عليه‎ ‎السلام‎:


وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ‎ ‎فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً‎ ‎وَاللّهُ ‏عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ‎ ‎مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ‎

أثناء وجود يوسف بالبئر،‎ ‎مرت عليه قافلة.. قافلة في طريقها إلى مصر.. قافلة كبيرة.. سارت ‏طويلا حتى سميت‎ ‎سيارة.. كلها تتجه إلى البئر.. توقفوا للتزود بالماء.. أدلى الدلو في البئر.. ‏تعلق‎ ‎يوسف به.. ظن من دلاه أنه امتلأ بالماء فسحبه.. يا للبشرى! هذا غلام.. حكمه حكم‎ ‎الأشياء المفقودة التي يلتقطها أحد.. يصير عبدا لمن التقطه.. هكذا كان قانون ذلك‎ ‎الزمان ‏البعيد‎.

فرح به من وجده في البداية، ثم زهد فيه حين فكر في همه‎ ‎ومسئوليته، وزهد فيه لأنه ‏وجده صبيا صغيرا.. وعول على التخلص منه لدى وصوله إلى‎ ‎مصر.. ولم يكد يصل إلى مصر ‏حتى باعه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدودة. ومن هناك‎ ‎اشتراه رجل تبدو عليه ‏الأهمية‎.

انتهت المحنة الأولى في حياة هذا النبي‎ ‎الكريم، لبتدأ المحنة الثانية، والفصل الثاني من ‏حياته‎.

وَقَالَ الَّذِي‎ ‎اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا‎ ‎أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا ‏لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ‎ ‎وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ‎ ‎وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ ‏يَعْلَمُونَ‎

انظر كيف يكشف الله تعالى‎ ‎مضمون القصة البعيد في بدايتها (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ‎ ‎أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). لقد انطبقت جدران العبودية على يوسف. ألقي في‎ ‎البئر، أهين، حرم ‏من أبيه، التقط من البئر، صار عبدا يباع في الأسواق، اشتراه رجل‎ ‎من مصر، صار مملوكا لهذا ‏الرجل.. انطبقت المأساة، وصار يوسف بلا حول ولا قوة.. هكذا‎ ‎يظن أي إنسان.. غير أن ‏الحقيقة شيء يختلف عن الظن تماما‎.

ما نتصور نحن أنه‎ ‎مأساة ومحنة وفتنة.. كان هو أول سلم يصعده يوسف في طريقه إلى ‏مجده.. (وَاللّهُ‎ ‎غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .. ينفذ تدبيره رغم تدبير الآخرين. ينفذ من خلاله تدبير‎ ‎الآخرين ‏فيفسده ويتحقق وعد الله، وقد وعد الله يوسف بالنبوة‎.

وها هو ذا يلقي‎ ‎محبته على صاحبه الذي اشتراه.. وها هو ذا السيد يقول لزوجته أكرمي ‏مثواه عسى أن‎ ‎ينفعنا أو نتخذه ولدا. وليس هذا السيد رجلا هين الشأن.. إنما هو رجل مهم.. ‏رجل من‎ ‎الطبقة الحاكمة في مصر.. سنعلم بعد قليل أنه وزير من وزراء الملك. وزير خطير ‏سماه‎ ‎القرآن "العزيز"، وكان قدماء المصريين يطلقون الصفات كأسماء على الوزراء. فهذا‎ ‎العزيز.. وهذا العادل.. وهذا القوي.. إلى آخره.. وأرجح الآراء أن العزيز هو رئيس‎ ‎وزراء مصر‎.

وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي في بيت رجل يحكم‎. ‎وسيعلمه الله من ‏تأويل الأحاديث والرؤى.. وسيحتاج إليه الملك في مصر يوما‎. (‎وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ ‏أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ‎). ‎تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف‎.

ثم يبين لنا المولى عز وجل‎ ‎كرمه على يوسف فيقول‎:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا‏‎ ‎وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ‎

كان يوسف أجمل رجل في عصره‎.. ‎كان وجهه يحمل طاقة من الجمال البشري المدهش.. ‏وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته‎ ‎يضفيان على وجهه مزيدا من الجمال. وأوتي صحة الحكم ‏على الأمور.. وأوتي علما بالحياة‎ ‎وأحوالها. وأوتي أسلوبا في الحوار يخضع قلب من يستمع ‏إليه.. وأوتي نبلا وعفة، جعلاه‎ ‎شخصية إنسانية لا تقاوم‎.

وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه‎.. ‎اكتشف أن يوسف أكثر من رأى في ‏حياته أمانة واستقامة وشهامة وكرما.. وجعله سيده‎ ‎مسئولا عن بيته وأكرمه وعامله كابنه‎.




ويبدأ المشهد الأول من الفصل الثاني في حياته‎:


في هذا المشهد تبدأ محنة يوسف القانية، وهي أشد واعمق من المحنة‎ ‎الاولى. جاءته وقد ‏أوتي صحة الحكم واوتي العلم -رحمة من الله- ليواجهها وينجو منها‏‎ ‎جزاء إحسانه الذي ‏سجله الله له في قرآنه‎.

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي‎ ‎بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ‎ ‎مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي ‏أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ‎ ‎الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى‎ ‎بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ ‏لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ‎ ‎عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ‎

لا يذكر السياق القرآني شيئا عن سنها وسنه،‎ ‎فلننظر في ذلك من باب التقدير. لقد أحضر ‏يوسف صبيا من البئر، كانت هي زوجة في‎ ‎الثلاثة والعشرين مثلا، وكان هو في الثانية ‏عشرا. بعد ثلاثة عشر عاما صارت هي في‎ ‎السادسة والثلاثين ووصل عمره إلى الخامسة ‏والعشرين. أغلب الظن أن الأمر كذلك. إن‎ ‎تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها ‏مكتملة جريئة‎.

والآن،‎ ‎لنتدبر معنا في كلمات هذه الآيات‎.

‎(‎وَرَاوَدَتْهُ) صراحة (عَن نَّفْسِهِ‎ )‎،‎ ‎وأغلقت (الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ). لن تفر مني هذه المرة. ‏هذا يعني أنه‎ ‎كانت هناك مرات سابقة فر فيها منها. مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها بهذه ‏الصراحة‎ ‎وهذا التعري. فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت تجاهل يوسف لتلميحاتها المستمرة ‏وإباءه‎.. ‎فقررت أن تغير خطتها. خرجت من التلميح إلى التصريح.. أغلقت الأبواب ومزقت ‏أقنعة‎ ‎الحياء وصرحت بحبها وطالبته بنفسه‎.

ثم يتجاوزز السياق القرآني الحوار الذي‎ ‎دار بين امرأة العزيز ويوسف عليه السلام، ولنا أن ‏نتصور كيف حاولت إغراءه إما‎ ‎بلباسها أو كلماتها أو حركاتها. لكن ما يهمنا هنا هو موقف ‏يوسف -عليه السلام- من‏‎ ‎هذا الإغواء‎.

يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا‎:

قَالَ‎ ‎مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ‎ ‎الظَّالِمُونَ‎

أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بان نجاني من‎ ‎الجب وجعل في هذه ‏الدار مثواي الطيب الآمن. ولا يفلح الظالمون الذين يتجاوزون حدود‏‎ ‎الله، فيرتكبون ما تدعينني ‏اللحظة إليه‎.

قال تعالى‎:

وَلَقَدْ هَمَّتْ‎ ‎بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ‎

اتفق المفسرون حول‎ ‎همها بالمعصية، واختلفوا حول همه. فمنهم من أخذ بالإسرائيليات ‏وذكر أن يعقوب ظهر‏‎ ‎له، أو جبريل نزل إليه، لكن التلفيق والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات ‏الإسرائيلية‎. ‎ومن قائل: إنها همت به تقصد المعصية وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل، ومن ‏قائل: إنها‎ ‎همت به لتقبله وهم بها ليضربها، ومن قائل: إن هذا الهم كان بينهما قبل الحادث. ‏كان‎ ‎حركة نفسية داخل نفس يوسف في السن التي اجتاز فيها فترة المراهقة. ثم صرف ‏الله عنه‎. ‎وأفضل تفسير تطمئن إليه نفسي أن هناك تقديما وتأخيرا في الآية‎.

قال أبو‎ ‎حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله تعالى: (وَلَقَدْ‎ ‎هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا). قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير. بمعنى ولقد‎ ‎همت به.. ولولا أن ‏رأى برهان ربه لهم بها. يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء‎.. ‎كما يستقيم مع روح الآيات ‏التي تلحقه مباشرة (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ‎ ‎وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وهذه ‏الآية التي تثبت أن‎ ‎يوسف من عباد الله المخلصين، تقطع في نفس الوقت بنجاته من ‏سلطان الشيطان. قال تعالى‎ ‎لإبليس يوم الخلق‎:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ‎

وما دام يوسف من عباده المخلصين، فقد وضح الأمر بالنسبة إليه. لا يعني هذا‎ ‎أن يوسف ‏كان يخلو من مشاعر الرجولة، ولا يعني هذا أنه كان في نقاء الملائكة وعدم‎ ‎احتفالهم ‏بالحس. إنما يعني أنه تعرض لإغراء طويل قاومه فلم تمل نفسه يوما، ثم‎ ‎أسكنها تقواها ‏كونه مطلعا على برهان ربه، عارفا أنه يوسف بن يعقوب النبي، ابن إسحق‎ ‎النبي، ابن ‏إبراهيم جد الأنبياء وخليل الرحمن‎.



يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف حتى لا يتطور الأمر أكثر. لكن امرأة‎ ‎العزيز لحقت ‏به لتمسكه، تدفهعا الشهوة لذلك. فتقطع المفاجأة. يختصر المولى عز وجل‎ ‎ما حدث في ‏كتابه فيقول‎:

وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن‎ ‎دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ‎

وهنا تتبدى المرأة المكتملة،‎ ‎فتجد الجواب حاضرا على السؤال البديهي الذي يطرح الموقف. ‏فتقول متهمة الفتى‎:

قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ‎ ‎أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‎

واقترحت هذه المراة -العاشقة- سريعا العقاب -المأمون‎- ‎الواجب تنفيذه على يوسف، ‏خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. بيّنت للعزيز أن أفضل‎ ‎عقاب له هو السجن. بعد ‏هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع‎ ‎عن نفسه‎:

قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي‎

تجاوز السياق‎ ‎القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة‏‎ ‎الباطلة‎:

وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن‎ ‎قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ ‏قَمِيصُهُ قُدَّ مِن‎ ‎دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ‎ ‎مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن ‏كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ‎

لا‎ ‎نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية، أم أن العزيز استدعاه بعد الحادثة‎ ‎ليأخذ ‏برأيه.. كما أشارت بعض الروايات أن هذا الشاهد رجل كبير، بينما أخبرت روايات‎ ‎أخرى أنه ‏طفل رضيع. كل هذا جائز. وهو لا يغير من الأمر شيئا. ما يذكره القرآن أن‎ ‎الشاهد أمرهم ‏بالنظر للقميص، فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر مدافعتها له وهو‎ ‎يريد الاعتداء عليها ‏فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو إذن من‎ ‎أثر تملصه منها ‏وتعقبها هي له حتى الباب، فهي كاذبة وهو صادق‎.

فَلَمَّا‎ ‎رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ‎ ‎عَظِيمٌ‎

لما تأكد الزوج من خيانة زوجته. لم يثر دمه في عروقه ولم يصرخ ولم‎ ‎يغضب. فرضت عليه ‏قيم الطبقة الراقية التي وقع فيها الحادث أن يواجه الموقف بلباقة‎ ‎وتلطف.. نسب ما فعلته ‏إلى كيد النساء عموما. وصرح بأن كيد النساء عموم عظيم. وهكذا‎ ‎سيق الأمر كما لو كان ثناء ‏يساق. ولا نحسب أنه يسوء المرأة أن يقال لها: (إِنَّ‎ ‎كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ). فهو دلالة على أنها أنثى ‏كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على‎ ‎الكيد‎.

بعدها التفت الزوج إلى يوسف قائلا له‎:

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ‎ ‎هَـذَا‎

أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به‎.

هذا هو‎ ‎المهم.. المحافظة على الظواهر.. ثم يوجه عظة -مختصرة- للمرأة التي ضبطت ‏متلبسة‎ ‎بمراودة فتاها عن نفسها وتمزيق قميصه‎:

وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ‎ ‎كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ‎

انتهى الحادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته.. فلم‎ ‎يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها.. كل ما ‏طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع‎. ‎غير أن هذا الموضوع بالذات. وهذا الأمر يصعب ‏تحقيقه في قصر يمتلئ بالخدم والخادمات‎ ‎والمستشارين والوصيفات‎.


المشهد الثاني‎:


بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من‎ ‎القصر إلى قصور الطبقة الحاكمة أو الراقية يومها.. ووجدت ‏فيه نساء هذه الطبقة مادة‎ ‎شهية للحديث. إن خلو حياة هذه الطبقات من المعنى، وانصرافها ‏إلى اللهو، يخلعان‎ ‎أهمية قصوى على الفضائح التي ترتبط بشخصيات شهيرة.. وزاد حديث‎ ‎المدينة‎:

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ‎ ‎فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ‏ضَلاَلٍ‎ ‎مُّبِينٍ‎

وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت إلى بيت.. حتى وصل لامرأة‎ ‎العزيز

المشهد الثالث‎:


فَلَمَّا سَمِعَتْ‎ ‎بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ‎ ‎كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ‏اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا‎ ‎رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا‎ ‎هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ ‏كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ‎ ‎الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ‎ ‎وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ‏آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ‎ ‎الصَّاغِرِينَ‎

قررت امرأة العزيز أن تعد مأدبة كبيرة في القصر. وندرك من هذا‎ ‎أنهن كن من نساء الطبقة ‏الراقية. فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور. ويبدوا‎ ‎أنهن كن يأكلن وهن متكئات ‏على الوسائد والحشايا، فأعدت لهن هذا المتكأ. واختارت‎ ‎ألوان الطعام والشراب وأمرت أن ‏توضع السكاكين الحادة إلى جوار الطعام المقدم. ووجهت‎ ‎الدعوة لكل من تحدثت عنها. ‏وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة،‎ ‎فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ‏فَلَمَّا‎

‎(‎فَلَمَّا‎ ‎رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) بهتن لطلعته، ودهشن. (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) وجرحن‎ ‎أيديهن بالسكاكين ‏للدهشة المفاجئة. (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ) وهي كلمة تنزيه تقال في‎ ‎هذا الموضع تعبيرا عن ‏الدهشة بصنع الله.. (مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ‎ ‎مَلَكٌ كَرِيمٌ) يتضح من هذه التعبيرات أن شيئا ‏من ديانات التوحيد تسربت لأهل ذلك‎ ‎الزمان‎.

ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف‎ ‎الدهش والإعجاب ‏والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة، التي لا تستحي أمام النساء من‎ ‎بنات جنسها ‏وطبقتها، والتي تفتخر عليهن بأن هذا متناول يدها؛ وإن كان قد استعصم في‎ ‎المرة الأولى ‏فهي ستحاول المرة تلو الأخرى إلى أن يلين: انظرن ماذا لقيتن منه من‎ ‎البهر والدهش ‏والإعجاب! لقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه لكنه استعصم، وإن لم لطعني‎ ‎سآمر ‏بسجنه لأذلّه‎.

إنها لم ترى بأسا من الجهر بنزواتها الأنثوية أما نساء‎ ‎طبقتها. فقالتها بكل إصرار وتبجح، قالتها ‏مبيّنة أن الإغراء الجديد تحت‎ ‎التهديد‎.

واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه.. كل منهن أرادته‎ ‎لنفسها.. ويدلنا على ذلك ‏أمران هما‎:

الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام‎ (‎رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) فلم يقل ‏‏(ما‎ ‎تدعوني إليه).. والأمر الآخر هو سؤال الملك لنهم فيما بعد (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ‎ ‎إِذْ رَاوَدتُّنَّ ‏يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ‎).

أمام هذه الدعوات -سواء كانت‎ ‎بالقول أم بالحركات واللفتات- استنجد يوسف بربه ليصرف ‏عنه محاولاتهن لإيقاعه في‎ ‎حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع ‏فيما يخشاه على نفسه. دعى‎ ‎يوسف الله دعاء الإنسان العارف ببشريته، الذي لا يغتر ‏بعصمته؛ فيريد مزيدا من عناية‎ ‎الله وحياطته، ويعاونه على ما يعترضه من فتة وكيد وإغراء‎.

قَالَ رَبِّ‎ ‎السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي‎ ‎كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ‏الْجَاهِلِينَ‎

واستجاب له‎ ‎الله.. وصرف عنه كيد النسوة‎.

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ‎ ‎كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‎

وهذا الصرف قد يكون بإدخال‎ ‎اليأس في نفوسهن من استجابته لهن، بعد هذه التجربة؛ أو ‏بزيادة انصرافه عن الإغراء‎ ‎حتى يحس في نفسه أثرا منه. أو بهما جميعا. وهكذا اجتاز ‏يوسف المحنة الثانية بلطف‎ ‎الله ورعايته، فهو الذي سمع الكيد ويسمع الدعاء، ويعلم ما وراء ‏الكيد وما وراء‎ ‎الدعاء‎.



يبدأ الفصل الثالث من حياة يوسف عليه السلام بدخوله‎ ‎السجن‎.


ربما كان دخوله للسجن بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز‎ ‎ونساء طبقتها، فلم يجد أصحاب ‏هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة سوى سجن هذا‎ ‎الفتى الذي دلت كل الآيات على ‏برائته، لتنسى القصة. قال تعالى في سورة‎ (‎يوسف‎):

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ‏‎ ‎لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ‎

وهكذا ترسم الآية الموجزة جو هذا العصر‎ ‎بأكمله.. جو الفساد الداخلي في القصور، جو ‏الأوساط الأرستقراطية.. وجو الحكم‎ ‎المطلق‎.

إن حلول المشكلات في الحكم المطلق هي السجن.. وليس هذا بغريب على من‎ ‎يعبد آلهة ‏متعددة. كانوا على عبادة غير الله.. ولقد رأينا من قبل كيف تضيع حريات‎ ‎الناس حين ‏ينصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره. وها نحن أولاء نرى في قصة يوسف‎ ‎شاهدا حيا ‏يصيب حتى الأنبياء. صدر قرارا باعتقاله وأدخل السجن. بلا قضية ولا‎ ‎محاكمة، ببساطة ‏ويسر.. لا يصعب في مجتمع تحكمه آلهة متعددة أن يسجن بريء. بل لعل‎ ‎الصعوبة تكمن ‏في محاولة شيء غير ذلك‎.

دخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ‎ ‎الأعصاب أقرب إلى الفرح لأنه نجا من إلحاح زوجة ‏العزيز ورفيقاتها، وثرثرة وتطفلات‎ ‎الخدم. كان السجن بالنسبة إليه مكانا هادئا يخلو فيه ‏ويفكر في ربه‎.

ويبين‎ ‎لنا القرآن الكريم المشهد الأول من هذا الفصل‎:

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ‎ ‎فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ‎ ‎إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ ‏فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ‎ ‎نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِين (36) قَالَ لاَ‎ ‎يَأْتِيكُمَا ‏طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ‎ ‎أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ‎ ‎قَوْمٍ لاَّ ‏يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون (37‏‎) ‎وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا ‏كَانَ‎ ‎لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا‎ ‎وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ ‏يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ‎ ‎السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ‎ (39) ‎مَا تَعْبُدُونَ ‏مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ‎ ‎وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ‎ ‎أَمَرَ ‏أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ‎ ‎أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا‎ ‎أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ‎ ‎الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ ‏تَسْتَفْتِيَانِ (41‏‎) ‎وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ‎ ‎فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ‏فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ‎

يختصر السياق مرة أخرى ما كان من أمر يوسف في السجن.. لكن ما يتبادر للذهب‎ ‎عند ‏قراءة هذه الآيات هو انتهاز يوسف -عليه السلام- فرصة وجوده في السجن، ليقوم‏‎ ‎بالدعوة ‏إلى الله. مما جعل السجناء يتوسمون فيه الطيبة والصلاح وإحسان العبادة‎ ‎والذكر والسلوك‎.

انتهز يوسف -عليه السلام- هذه الفرصة ليحدث الناس عن رحمة‏‎ ‎الخالق وعظمته وحبه ‏لمخلوقاته، كان يسأل الناس: أيهما أفضل.. أن ينهزم العقل ويعبد‎ ‎أربابا متفرقين.. أم ينتصر ‏العقل ويعبد رب الكون العظيم؟ وكان يقيم عليهم الحجة‎ ‎بتساؤلاته الهادئة وحواره الذكي ‏وصفاء ذهنه، ونقاء دعوته‎.

لنعد للسجينين‎ ‎الذين سألاه تفسير رؤياهما‎.

إن أول ما قام به يوسف -عليه السلام- هو‏‎ ‎طمأنتهما أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه ‏علما خاصا، جزاء على تجرده هو وآباؤه‎ ‎من قبله لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء.. ‏وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة‎ ‎الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك ‏لدينه. ثم بدأ بدعوتهما إلى‎ ‎التوحيد، وتبيان ما هم عليه من الظلال. قام بكل هذا برفق ولطف ‏ليدخل إلى النفوس بلا‎ ‎مقاومة‎.

بعد ذلك فسر لهما الرؤى. بيّن لهما أن أحدها سيصلب، والآخر سينجو‎. ‎لكنه لم يحدد من هو ‏صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفا وتحرجا من المواجهة‎ ‎بالشر والسوء‎.

أوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر حاله عن الملك. لكن الرجل‎ ‎لم ينفذ الوصية. فربما ‏ألهته حياة القصر المزدحمة يوسف وأمره. فلبث في السجن بضع‎ ‎سنين. أراد الله بهذا أن ‏يعلم يوسف -عليه السلام- درسا‏‎.

فقد ورد في إحدى‎ ‎الرويات أنه جاءه جبريل قال: يا يوسف من نجّاك من إخوتك؟ قال: الله. ‏قال: من أنقذك‎ ‎من الجب؟ قال: الله. قال: من حررك بعد أن صرت عبدا؟ قال: الله. قال: من ‏عصمك من‎ ‎النساء؟ قال: الله. قال: فعلام تطلب النجاة من غيره؟‎

وقد يكون هذا الأمر‎ ‎زيادة في كرم الله عليه واصطفاءه له، فلم يجعل قضاء حاجته على يد ‏عبد ولا سبب يرتبط‎ ‎بعبد‎.‎

المشهد الثاني‎:


في هذا المشهد تبدأ نقطة‎ ‎التحول.. التحول من محن الشدة إلى محن الرخاء.. من محنة ‏العبودية والرق لمحنة‎ ‎السلطة والملك‎.

في قصر الحكم.. وفي مجلس الملك: يحكي الملك لحاشيته رؤياه‎ ‎طالبا منهم تفسيرا لها‎:

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ‎ ‎سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ‎ ‎يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ‎ ‎لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ‎

لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير. ربما‎ ‎لأنهم لم يعرفوا تفسيرها، أو أنهم ‏أحسوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك،‎ ‎وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج ‏الحاشية -التي تعودت على قول كل ما يسر الملك فقط‎. ‎وعللوا عدم التفسير بأن قالوا ‏للملك أنها أجزاء من أحلام مختلطة ببعضها البعض، ليست‎ ‎رؤيا كاملة يمكن تأويلها‎.

قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ‎ ‎بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ


المشهد الثالث‎:


وصل الخبر إلى الساقي -الذي‎ ‎نجا من السجن.. تداعت أفكاره وذكره حلم الملك بحلمه ‏الذي رآه في السجن، وذكره السجن‎ ‎بتأويل يوسف لحلمه. وأسرع إلى الملك وحدثه عن ‏يوسف. قال له: إن يوسف هو الوحيد الذي‎ ‎يستطيع تفسير رؤياك. لقد أوصاني أن أذكره ‏عندك ولكنني نسيت‎.

وَقَالَ الَّذِي‎ ‎نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ‎ ‎فَأَرْسِلُونِ‎

وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف. ويبين لنا الحق‎ ‎سبحانه كيف نقل الساقي ‏رؤيا الملك ليوسف بتعبيرات الملك نفسها، لأنه هنا بصدد تفسير‎ ‎حلم، وهو يريد أن يكون ‏التفسير مطابقا تماما لما رءاه الملك. وكان الساقي يسمي يوسف‎ ‎بالصديق، أي الصادق ‏الكثير الصدق.. وهذا ما جربه من شأنه من قبل‎.

يُوسُفُ‎ ‎أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ‎ ‎عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ ‏وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى‎ ‎النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ‎

جاء الوقت واحتاج الملك إلى رأيه‎.. (‎وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ‎). ‎سئل يوسف عن تفسير حلم الملك.. فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره. لم ‏يساوم‎ ‎ولم يتردد ولم يقل شيئا غير تفسير الرؤيا.. هكذا ببراءة النبي حين يلجأ إليه الناس‎ ‎فيغيثهم.. وإن كان هؤلاء أنفسهم سجانيه وجلاديه.. وكلام يوسف هنا ليس التأويل‎ ‎المباشر ‏المجرد، إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقه. وهذا أكمل‎:

قَالَ‎ ‎تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ‎ ‎إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي ‏مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ‎ ‎شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ‎ (48) ‎ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ ‏عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ‎ ‎يَعْصِرُونَ‎

أفهم يوسف رسول الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود‎ ‎فيها الأرض ‏بالغلات. وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع. لأن وراءها‎ ‎سبع سنوات ‏مجدبة ستأكل ما يخزنه المصريون، وأفضل خزن للغلال أن تترك في سنابلها كي‎ ‎لا تفسد أو ‏يصيبها السوس أو يؤثر عليها الجو‎.

بهذا انتهى حلم الملك.. وزاد‎ ‎يوسف تأويله لحلم الملك بالحديث عن عام لم يحلم به الملك، ‏عام من الرخاء. عام يغاث‎ ‎فيه الناس بالزرع والماء، وتنمو كرومهم فيعصرون خمرا، وينمو ‏سمسمهم وزيتونهم‎ ‎فيعصرون زيتا. كان هذا العام الذي لا يقابله رمز في حلم الملك. علما ‏خاصا أوتيه‎ ‎يوسف. فبشر به الساقي ليبشر به الملك والناس‎.‎

المشهد الرابع‎:


عاد الساقي إلى الملك. أخبره‎ ‎بما قال يوسف، دهش الملك دهشة شديدة. ما هذا ‏السجين..؟ إنه يتنبأ لهم بما سيقع،‎ ‎ويوجههم لعلاجه.. دون أن ينتظر أجرا أو جزاء. أو يشترط ‏خروجا أو‎ ‎مكافأة‎.

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ‎ ‎ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي ‏قَطَّعْنَ‎ ‎أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ‎

أصدر الملك أمره بإخراج‎ ‎يوسف من السجن وإحضاره فورا إليه. ذهب رسول الملك إلى ‏السجن. ولا نعرف إن كان هو‎ ‎الساقي الذي جاءه أول مرة. أم أنه شخصية رفيعة مكلفة بهذه ‏الشؤون. ذهب إليه في‎ ‎سجنه. رجا منه أن يخرج للقاء الملك.. فهو يطلبه على عجل. رفض ‏يوسف أن يخرج من السجن‎ ‎إلا إذا ثبتت براءته. لقد رباه ربه وأدبه. ولقد سكبت هذه التربية ‏وهذا الأدب في‎ ‎قلبه السكينة والثقة والطمأنينة. ويظهر أثر التربية واضحا في الفارق بين ‏الموقفين‎: ‎الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، والموقف الذي يقول ‏فيه: ارجع إلى‎ ‎ربك فاسأله ما بال النسوة الاتي قطعن أيدهن، الفارق بين الموقفين كبير‎.


المشهد الخامس‎:


تجاوز السياق القرآني عما‎ ‎حدث بين الملك ورسوله، وردة فعل الملل. ليقف بنا أمام ‏المحاكة. وسؤال الملك لنساء‎ ‎الطبقة العليا عما فعله مع يوسف‎:

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ‎ ‎يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ‎

يبدوا أن الملك سأل عن القصة ليكون على بينة من لامر‎ ‎وظروفه قبل أن يبدأ التحقيق، لذلك ‏جاء سؤاله دقيقا للنساء. فاعترف النساء بالحقيقة‎ ‎التي يصعب إنكارها‎:

قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن‎ ‎سُوءٍ‎

وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع أن‎ ‎تخلص من تعلقها ‏به.. تتقدم لتقول كل شيء بصراحة‎:

قَالَتِ امْرَأَةُ‎ ‎الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ‎ ‎لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ ‏لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ‎ ‎وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ‎

يصور السياق القرآني لنا‎ ‎اعتراف امرأة العزيز، بألفاظ موحية، تشي بما وراءها من انفعالات ‏ومشاعر عميقة‎ (‎أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) شهادة كاملة‎ ‎بإثمها هي، وبراءته ‏ونظافته وصدقه هو. شهادة لا يدفع إليها خوف أو خشية أو أي‎ ‎اعتبار آخر.. يشي السياق ‏القرآني بحافز أعمق من هذا كله. حرصها على أن يحترمها‎ ‎الرجل الذي أهان كبرياءها ‏الأنثوية، ولم يعبأ بفتنتها الجسدية. ومحاولة يائسة‎ ‎لتصحيح صورتها في ذهنه. لا تريده أن ‏يستمر على تعاليه واحتقاره لها كخاطئة. تريد أن‎ ‎تصحح فكرته عنها: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ ‏أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ). لست بهذا‎ ‎السوء الذي يتصوره فيني. ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة ‏إلى الفضيلة التي يحبها‎ ‎يوسف ويقدرها (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ‎).

وتمضي‎ ‎خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة‎:

وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ‎ ‎لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ‎

إن تأمل الآيات يوحي بأن امرأة العزيز قد تحولت إلى دين يوسف. تحولت إلى‎ ‎التوحيد. إن ‏سجن يوسف كان نقلة هائلة في حياتها. آمنت بربه واعتنقت ديانته، وأحبته‎ ‎على البعد، وما ‏زالت هي المرأة العاشقة التي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه،‎ ‎أو خاطرة ارتياح. ولو ‏بالغيب.. وعلى البعد.. ودون لقاء أو أمل في لقاء‎.

ويصدر الأمر الملكي بالإفراج عنه وإحضاره‎.

يهمل السياق القرآني بعد‎ ‎ذلك قصة امرأة العزيز تماما، يسقطها من المشاهد، فلا نعرف ‏ماذا كان من أمرها بعد‎ ‎شهادتها الجريئة التي أعلنت فيها ضمنا إيمانها بدين يوسف‎.

وقد لعبت الأساطير‎ ‎دورها في قصة المرأة.. قيل: إن زوجها مات وتزوجت من يوسف، ‏فاكتشف أنها عذراء،‎ ‎واعترفت له أن زوجها كان شيخا لا يقرب النساء.. وقيل: إن بصرها ضاع ‏بسبب استمرارها‎ ‎في البكاء على يوسف، خرجت من قصرها وتاهت في طرقات المدينة، ‏فلما صار يوسف كبيرا‎ ‎للوزراء، ومضى موكبه يوما هتفت به امرأة ضريرة تتكفف الناس: ‏سبحان من جعل الملوك‎ ‎عبيدا بالمعصية، وجعل العبيد ملوكا بالطاعة‎.

سأل يوسف: صوت من هذا؟ قيل له‎: ‎امرأة العزيز. انحدر حالها بعد عز. واستدعاها يوسف ‏وسألها: هل تجدين في نفسك من حبك‎ ‎لي شيئا؟‎

قالت: نظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا يا يوسف.. ناولني نهاية‎ ‎سوطك. فناولها. فوضعته ‏على صدرها، فوجد السوط يهتز في يده اضطرابا وارتعاشا من‎ ‎خفقان قلبها‎.

وقيلت أساطير أخرى، يبدو فيها أثر المخيلة الشعبية وهي تنسج‎ ‎قمة الدراما بانهيار ‏العاشقة إلى الحضيض.. غير أن السياق القرآني تجاوز تماما نهاية‎ ‎المرأة‎.

أغفلها من سياق القصة، بعد أن شهدت ليوسف.. وهذا يخدم الغرض الديني‎ ‎في القصة، ‏فالقصة أساسا قصة يوسف وليست قصة المرأة.. وهذا أيضا يخدم الغرض الفني‎.. ‎لقد ‏ظهرت المرأة ثم اختفت في الوقت المناسب.. اختفت في قمة مأساتها.. وشاب اختفاءها‎ ‎غموض فني معجز.. ولربما بقيت في الذاكرة باختفائها هذا زمنا أطول مما كانت تقضيه لو‎ ‎عرفنا بقية قصتها‎.





ويبدأ فصل جديد من فصول حياة يوسف عليه‎ ‎السلام‎:


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ‎ ‎لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ‎ (54) ‎قَالَ ‏اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55‏‎) ‎وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا ‏حَيْثُ يَشَاء‎ ‎نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56‏‎) ‎وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ‏آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‎

بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك. عرف‎ ‎أنه أمام ‏رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاره‎. ‎وعندما جلس ‏معه وكلمه، تحقق له صدق ما توسمه فيه. فطمئنه على أنه ذو مكانه وفي أمان‎ ‎عنده. ‏فماذا قال يوسف؟‎

لم يسج شكرا للملك، ولم بقل له: عشت يا مولاي وأنا‎ ‎عبدك الخاضع أو خادمك الأمين، كما ‏يفعل المتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما‎ ‎يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء ‏في الازمة القادمة‎.

كما وأورد‎ ‎القرطبي في تفسيره. أن الملك قال فيما قاله: لو جمعت أهل مصر ما أطاقوا هذا ‏الأمر‎.. ‎ولم يكونوا فيه أمناء‎.

كان الملك يقصد الطبقة الحاكمة وما حولها من طبقات‎.. ‎إن العثور على الأمانة في الطبقة ‏المترفة شديد الصعوبة‎

اعتراف الملك ليوسف‎ ‎بهذه الحقيقة زاد من عزمه على تولي هذا الامر، لأنقاذ مصر وما ‏حولها من البلاد من‎ ‎هذه المجاعة.. قال يوسف: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ‎ ‎عَلِيمٌ). لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة. على العكس من ذلك. كان‎ ‎يحتمل أمانة إطعام شعوب جائعة لمدة سبع سنوات.. شعوب يمكن أن تمزق حكامها لو ‏جاعت‎.. ‎كان الموضوع في حقيقته تضحية من يوسف‎.

لا يثبت السياق القرآني أن الملك‎ ‎وافق.. فكأنما يقول القرآن الكريم إن الطلب تضمن ‏الموافقة.. زيادة في تكريم يوسف،‎ ‎وإظهار مكانته عند الملك.. يكفي أن يقول ليجاب.. بل ‏ليكون قوله هو الجواب، ومن ثم‎ ‎يحذف رد الملك.. ويفهمنا شريط الصور المعروضة أن يوسف ‏قد صار في المكان الذي‎ ‎اقترحه‎>

وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. صار مسؤولا عن خزائن مصر‎ ‎واقتصادها.. صار كبيرا ‏للوزراء.. وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لي‎ ‎من الحكم إلا الكرسي.. ‏ولا ينبئنا السياق القرآني كيف تصرف في مصر.. نعرف أنه حكيم‎ ‎عليم.. نعرف أنه أمين ‏وصادق.. لا خوف إذا على اقتصاد مصر‎.

دارت عجلة الزمن‎.. ‎طوى السياق دورتها، ومر مرورا سريعا على سنوات الرخاء، وجاءت ‏سنوات المجاعة.. وهنا‎ ‎يغفل السياق القرآني ذكر الملك والوزراء.. كأن الأمر كله قد صار‎ ‎ليوسف‎.

‎***************************************

لا يذكر القآن لنا‎ ‎أن المجاعة بدأت.. لا يصف لنا بدؤها، إنما يعرض لمشهد أخوة يوسف وقد ‏جاءوا من‎ ‎فلسطين لابتياع طعام من مصر‎.

وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ‎ ‎فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ‎ ‎ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ‎ ‎وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59) فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ ‏فَلاَ كَيْلَ‎ ‎لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ (60) قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ‎ ‎وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ‏اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي‎ ‎رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ‎ ‎لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‎

قيل أن يوسف -عليه السلام- كان يعطي كل فرد في‏‎ ‎الفترة الواحدة حمل بعير. لم يكن كل ‏من يملك الشراء يشتري المقادير التي يستطيع‎ ‎شرائها لخزنها ويموت الآخرون. وكان قصد ‏يوسف أن يوازن بين حاجات المحتاجين والزمن‎ ‎الطويل الذي يضطلع فيه بالتموين‎.

جاء أخوة يوسف من الصحراء.. جاءوا يبتاعون‎ ‎طعاما من مصر‎.

عرف يوسف اخوته على الفور.. ولم يعرفوه هم.. يستحيل أن يعبر‎ ‎طيف يوسف أفكارهم ‏الآن.. لقد تخلصوا منه من زمان بعيد.. وضاق بهم الحال فجاءوا من‎ ‎فلسطين يبحثون عن ‏الطعام في مصر.. وأجرى يوسف حواره مع إخوته، بغير أن يكشف لهم عن‎ ‎نفسه‎.

كان عدد الأخوة عشرة.. وكان معهم أحد عشر بعيرا‎.

سألهم يوسف‎ -‎مستخدما أحد المترجمين- لكي لا يتحدث لغته العبرانية: نظامنا يقضي ‏بإعطاء كل إنسان‎ ‎قدر بعير من الطعام.. كم عددكم؟‎
قالوا: نحن أحد عشر‎.
قال يوسف للترجمان قل‎ ‎لهم: لغتكم مخالفة للغتنا.. وزيكم يخالف زينا.. فلعلكم جواسيس‎.
قالوا: والله ما‎ ‎نحن بجواسيس.. بل نحن بنو أب واحد.. شيخ طيب‎.
سأل يوسف: قلتم أن عددكم أحد عشر‎.. ‎ولكنكم عشرة..؟‎
قالوا: كنا أثني عشر أخا.. هلك لنا أخ في البرية.. ولنا أخ آخر‎ ‎يحبه أبونا، ولا يستطيع أن يصبر ‏على فراقه.. جئنا ببعيره بدلا منه‎.
قال يوسف‎: ‎كيف أتأكد من صدقكم؟‎
قالوا: اختر شيئا تسكن إليه نفسك‎.
قال يوسف: يقضي النظام‎ ‎ألا نصرف لأحد غير موجود.. ائتوني بأخيكم لأصرف له طعامه.. ‏‏(أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي‎ ‎أُوفِي الْكَيْلَ)...؟‎

استمر الحوار بين أخوة يوسف ويوسف.. أفهمهم يوسف أنه‎ ‎سيستثنيهم هذه المرة.. فإذا ‏جاءوا في المرة القادمة بغير أخيهم فلن يصرف لهم‎.. ‎قالوا له سنحاول إقناع والده بأن يتركه ‏معنا‎.

انتهى هذا المشهد في مصر، لبدا‎ ‎مشهد أخر في أرض كنعان‎.‎


المشهد الثالث‎:


فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى‎ ‎أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا‎ ‎أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏‏(63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ‎ ‎إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا‎ ‎وَهُوَ أَرْحَمُ ‏الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ‎ ‎بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ‎ ‎بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا‎ ‎وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ ‏أُرْسِلَهُ‎ ‎مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن‎ ‎يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ‏اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ‎ ‎وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ‎ ‎مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ‏وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ‎ ‎الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ‎ ‎الْمُتَوَكِّلُونَ ‏‏(67) وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا‎ ‎كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي ‏نَفْسِ‎ ‎يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ‎ ‎أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ‎

رجع الأخوة إلى أبيهم.. قبل أن ينزلوا‎ ‎أحمال الجمال ويفكوا متاعهم، دخلوا على أبيهم. ‏قائلين له بعتاب: إن لم ترسل معنا‎ ‎أخانا الصغير في المرة القادمة فلن يعطينا عزيز مصر ‏الطعام. وختموا كلامهم بوعد‎ ‎جديد ليعقوب عليه السلام (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ‎).

ويبدوا أن هذا الوعد‎ ‎قد أثار كوامن يعقوب. فهو ذاته وعدهم له في يوسف! فإذا هو يجهز بما ‏أثاره الوعد من‎ ‎شجونه‎:

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى‎ ‎أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ‎ ‎الرَّاحِمِينَ‎

وفتح الأبناء أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال.. فإذا هم‎ ‎يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا ‏يشترون بها.. مردودة إليهم مع الغلال والطعام.. ورد‎ ‎الثمن يشير إلى عدم الرغبة في البيع، ‏أو هو إنذار بذلك.. وربما كان إحراجا لهم‎ ‎ليعودوا لسداد الثمن مرة أخرى‎.

وأسرع الأبناء إلى أبيهم (قَالُواْ يَا‎ ‎أَبَانَا مَا نَبْغِي) ..لم نكذب عليك.. لقد رد إلينا الثمن الذي ‏ذهبنا نشتري به‎. ‎هذا معناه أنهم لن يبيعوا لنا إلا إذا ذهب أخونا معنا‎.

واستمر حوارهم مع‎ ‎الأب.. أفهموه أن حبه لابنه والتصاقه به يفسدان مصالحهم، ويؤثران ‏على اقتصادهم، وهم‎ ‎يريدون أن يتزودوا أكثر، وسوف يحفظون أخاهم أشد الحفظ وأعظمه.. ‏وانتهى الحوار‎ ‎باستسلام الأب لهم.. بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه، إلا إذا خرج الأمر ‏من‎ ‎أيديهم وأحيط بهم.. نصحهم الأب ألا يدخلوا -وهم أحد عشر رجلا- من باب واحد من أبواب‏‎ ‎بمصر.. كي لا يستلفتوا انتباه أحد.. وربما خشي عليهم أبوهم شيئا كالسرقة أو الحسد‎.. ‎لا ‏يقول لنا السياق ماذا كان الأب يخشى، ولو كان الكشف عن السبب مهما‏‎ ‎لقيل‎.


المشهد الرابع‎:


عاد إخوة يوسف الأحد عشر‎ ‎هذه المرة‎ .

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ‎ ‎إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‎

يقفز‎ ‎السياق قفزا إلى مشهد يوسف وهو يحتضن أخاه ويكشف له وحده سر قرابته، ولا ريب ‏أن هذا‎ ‎لم يحدث فور دخول الإخوة على يوسف، وإلا لانكشفت لهم قرابة يوسف، إنما وقع ‏هذا في‎ ‎خفاء وتلطف، فلم يشعر إخوته، غير أن السياق المعجز يقفز إلى أول خاطر ساور ‏يوسف عند‎ ‎دخولهم عليه ورؤيته لأخيه.. وهكذا يجعله القرآن أول عمل، لأنه أول خاطر، وهذه ‏من‎ ‎دقائق التعبير في هذا الكتاب العظيم‎.

يطوي السياق كذلك فترة الضيافة، وما‎ ‎دار فيها بين يوسف وإخوته، ويعرض مشهد الرحيل ‏الأخير.. ها هو ذا يوسف يدبر شيئا‎ ‎لإخوته.. يريد أن يحتفظ بأخيه الصغير معه‎.

يعلم أن احتفاظه بأخيه سيثير‎ ‎أحزان أبيه، وربما حركت الأحزان الجديدة أحزانه القديمة، ‏وربما ذكره هذا الحادث‎ ‎بفقد يوسف.. يعلم يوسف هذا كله.. وها هو ذا يرى أخاه.. وليس ‏هناك دافع قاهر‎ ‎لاحتفاظه به، لماذا يفعل ما فعل ويحتفظ بأخيه هكذا!؟‎

يكشف السياق عن السر في‎ ‎ذلك.. إن يوسف يتصرف بوحي من الله.. يريد الله تعالى أن ‏يصل بابتلائه ليعقوب إلى‎ ‎الذروة.. حتى إذا جاوز به منطقة الألم البشري المحتمل وغير ‏المحتمل، ورآه صابرا رد‎ ‎عليه ابنيه معا، ورد إليه بصره‎.


يحكي الله تعالى ما حدث‎:

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ‎ ‎السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ‎ ‎إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ‏‏(70) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ‎ (71) ‎قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ‎ ‎وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا‎ ‎لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُواْ ‏فَمَا جَزَآؤُهُ‎ ‎إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ‎ ‎جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي ‏الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ‏‎ ‎وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا‎ ‎لِيُوسُفَ ‏مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء‎ ‎اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ ‏عَلِيمٌ (76‏‎) ‎قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ‏‎ ‎فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا ‏لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ‎ ‎أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا‎ ‎شَيْخًا كَبِيرًا ‏فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏‎ (78) ‎قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ‎ ‎إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ‎ ‎نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ‏‎ ‎عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ‎ ‎أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ ‏يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ‎ ‎خَيْرُ الْحَاكِمِينَ‎

إنه مشهد مثير، حافل بالحركات والانفعالات‎ ‎المفاجآت‎.

أمر يوسف -عليه السلام- رجاله أن يخفوا كأس الملك الذهبية في متاع‏‎ ‎أخيه خلسة.. وكانت ‏الكأس تستخدم كمكيال للغلال.. وكانت لها قيمتها كمعيار في الوزن‎ ‎إلى جوار قيمتها كذهب ‏خالص‎

أخفى الكأس في متاع أخيه.. وتهيأ إخوة يوسف‎ ‎للرحيل، ومعهم أخوهم.. ثم أغلقت أبواب ‏العاصمة.. (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ‎ ‎أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ‎)..!!

كانت صرخة الجند تعني وقوف‎ ‎القوافل جميعا.. وانطلق الاتهام فوق رؤوس الجميع كقضاء ‏خفي غامض.. أقبل الناس،‎ ‎وأقبل معهم إخوة يوسف..( مَّاذَا تَفْقِدُونَ)؟‎

هكذا تسائل إخوة يوسف.. قال‎ ‎الجنود: (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ).. ضاعت كأسه الذهبية.. ولمن ‏يجيء بها‎ ‎مكافأة.. سنعطيه حمل بعير من الغلال‎.

قال إخوة يوسف ببراءة: لم نأت لنفسد في‎ ‎الأرض ونسرق! قال الحراس (وكان يوسف قد ‏وجههم لما يقولونه): أي جزاء تحبون توقيعه‎ ‎على السارق؟‎

قال إخوة يوسف: في شريعتنا نعتبر من سرق عبدا لمن‎ ‎سرقه‎.

قال الحارس: سنطبق عليكم قانونكم الخاص.. لن نطبق عليكم القانون‎ ‎المصري الذي ‏يقضي بسجن السارق‎.

كانت هذه الإجابة كيدا وتدبيرا من الله‎ ‎تعالى، ألهم يوسف أن يحدث بها ضباطه.. ولولا هذا ‏التدبير الإلهي لامتنع على يوسف أن‎ ‎يأخذ أخاه.. فقد كان دين الملك أو قانونه لا يقضي ‏باسترقاق من سرق. وبدأ‎ ‎التفتيش‎.

كان هذا الحوار على منظر ومسمع من يوسف، فأمر جنوده بالبدء بتفتيش‎ ‎رحال أخوته اولا ‏قبل تفتيش رحل أخيه الصغير. كي لا يثير شبهة في نتيجة‎ ‎التفتيش‎.

اطمأن إخوة يوسف إلى براءتهم من السرقة وتنفسوا الصعداء، فلم يبقى‎ ‎إلا أخوهم الصغير. ‏وتم استخراج الكأس من رحله‎.

صار أخو يوسف عبدا ليوسف‎ ‎بمقتضى قانونهم الذي طبقه القضاء على الحادث‎.

أعقب ذلك مشهد عنيف المشاعر‎.. ‎إن إحساس الإخوة براحة الإنقاذ والنجاة من التهمة، ‏جعلهم يستديرون باللوم على شقيق‎ ‎يوسف.. قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ‎

إنهم‎ ‎يتنصلون من تهمة السرقة.. ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب‎.

سمع يوسف‎ ‎بأذنيه اتهامهم له، وأحس بحزن عميق.. كتم يوسف أحزانه في نفسه ولم ‏يظهر مشاعره‎.. ‎قال بينه وبين نفسه.. أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا‎ ‎تَصِفُونَ‎

لم يكن هذا سبابا لهم، بقدر ما كان تقريرا حكيما لقاعدة من قواعد‎ ‎الأمانة‎.

أراد أن يقول بينه وبين نفسه: إنكم بهذا القذف شر مكانا عند الله‎ ‎من المقذوف، لأنكم ‏تقذفون بريئين بتهمة السرقة.. والله أعلم بحقيقة ما‎ ‎تقولون‎.‎


سقط الصمت بعد تعليق الإخوة الأخير.. ثم انمحى إحساسهم بالنجاة، وتذكروا‎ ‎يعقوب.. لقد ‏أخذ عليهم عهدا غليظا، ألا يفرطوا في ابنه. وبدءوا استرحام يوسف: يوسف‎ ‎أيها العزيز.. ‏يوسف أيها الملك.. إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ‎ ‎أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‎

قال يوسف بهدوء‎: ‎كيف تريدون أن نترك من وجدنا كأس الملك عنده.. ونأخذ بدلا منه أنسانا ‏آخر..؟ هذا‎ ‎ظلم.. ونحن لا نظلم‎.

كانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف. وعرفوا أن لا جدوى‎ ‎بعدها من الرجاء، فانسحبوا ‏يفكرون في موقفهم المحرج أمام أبيهم حين‎ ‎يرجعون‎.


المشهد الخامس‎:


فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ‎ ‎مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ‎ ‎قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ ‏وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي‎ ‎يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ‎ ‎لِي وَهُوَ ‏خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا‎ ‎أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ‏وَمَا‎ ‎كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا‎ ‎وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ‏‎

عقدوا مجلسا‎ ‎يتشاورون فيه. لكن السياق القرآني لا يذكر أقوالهم جميعا. إنما يثبت آخرها ‏الذي‎ ‎يكشف عما انتهوا إليه. ذكر القرآن قول كبيرهم إذ ذكّرهم بالموثق المأخوذ عليهم، كما‎ ‎ذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل. ثم يبين قراره الجازم: ألا يبرح مصر، وألا يواجه‎ ‎أباه، إلا ‏أن يأذن أبوه، أو يقضي الله له بحكم، فيخض له وينصاع. وطلب منهم أن‎ ‎يرجعوا إلى أبيهم ‏فيخبروه صراحة بأن ابنه سرق، فأخذ بما سرق. ذلك ما علموه شهدوا‎ ‎به. أما إن كان بريئا، ‏وكا هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه، فهم غير موكلين‎ ‎بالغيب. وإن كان في شك من ‏قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها -أي أهل مصر‎- ‎وليسأل القافلة التي كانوا فيها، ‏فهم لم يكونوا وحدهم، فالقوافل الكثيرة كانت ترد‎ ‎مصر لتأخذ الطعام‎.


المشهد السادس‎:


فعل الأبناء ما أمرهم به‎ ‎أخوهم الكبير، وحكوا ليعقوب -عليه السلام- ما حدث. استمع يعقوب ‏إليهم وقال بحزن‎ ‎صابر، وعين دامعة‎:

بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ‎ ‎جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ‎ ‎الْحَكِيمُ‎

‎(‎بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‎) ‎كلمته ذاتها يوم فقد يوسف.. لكنه في هذه المرة ‏يضيف إليها الامل أن يرد الله عليه‎ ‎يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك‎.

هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب‎ ‎هذا الرجل الشيخ؟ إنه الرجاء في الله، والاتصال الوثيق ‏به، والشعور بوجوده ورحمته‎. ‎وهو مؤمن بأن الله يعلم حاله، ويعلم ما وراء هذه الأحداث ‏والامتحانات. ويأتي بكل‎ ‎امر في وقته المناسب، عندما تتحق حكمته في ترتيب الأسباب‎ ‎والنتائج‎.

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ‎ ‎وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ‎

وهي صورة مؤثرة‏‎ ‎للوالد المفجوع. يحس أنه منفرد بهمه، وحيد بمصابه، لا تشاركه هذه ‏القلوب التي حوله‎ ‎ولا تجاوبه، فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب يوسف. ‏الذي لم ينسه، ولم‎ ‎تهوّن من مصيبته السنون، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه ‏الأصغر فتغلبه على‎ ‎صبره الجميل: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ‎

أسلمه البكاء الطويل إلى فقد بصره‎.. ‎أو ما يشبه فقد بصره. فصارت أمام عينيه غشاوة ‏بسبب البكاء لا يمكن أن يرى‎ ‎بسببها‎.

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ‎ ‎وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ‎

والكظيم هو الحزين‎ ‎الذي لا يظهر حزنه. ولم يكن يعقوب -عليه السلام- يبكي أمام أحد.. كان ‏بكاؤه شكوى‎ ‎إلى الله لا يعلمها إلا الله‎.

ثم لاحظ أبناؤه أنه لم يعد يبصر ورجحوا أنه‎ ‎يبكي على يوسف، وهاجموه في مشاعره ‏الإنسانية كأب.. حذروه بأنه سيهلك‎ ‎نفسه‎:

قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا‎ ‎أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي ‏وَحُزْنِي‎ ‎إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‎

ردهم جواب يعقوب‎ ‎إلى حقيقة بكائه.. إنه يشكو همه إلى الله.. ويعلم من الله ما لا يعلمون.. ‏فليتركوه‎ ‎في بكائه وليصرفوا همهم لشيء أجدى عليهم‎:

يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ‎ ‎فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ‎ ‎إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ ‏إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ‎

إنه يكشف لهم في عمق أحزانه عن أمله في روح الله.. إنه يشعر بأن يوسف لم‎ ‎يمت كما ‏أنبئوه.. لم يزل حيا، فليذهب الإخوة بحثا عنه.. وليكن دليلهم في البحث، هذا‎ ‎الأمل العميق ‏في الله‎.‎


المشهد السابع‎:


تحركت القافلة في طريقها‎ ‎إلى مصر.. إخوة يوسف في طريقهم إلى العزيز.. تدهور حالهم ‏الاقتصادي وحالهم النفسي‎.. ‎إن فقرهم وحزن أبيهم ومحاصرة المتاعب لهم، قد هدت قواهم ‏تماما.. ها هم أولاء يدخلون‎ ‎على يوسف.. معهم بضاعة رديئة.. جاءوا بثمن لا يتيح لهم شراء ‏شيء ذي بال.. قال‎ ‎تعالى‎:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ‎ ‎مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا‎ ‎الْكَيْلَ ‏وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ‎

انتهى الأمر بهم إلى التسول.. إنهم يسألونه أن يتصدق عليهم.. ويستميلون‎ ‎قلبه، بتذكيره أن ‏الله يجزي المتصدقين‎.

عندئذ.. وسط هوانهم وانحدار حالهم‎.. ‎حدثهم يوسف بلغتهم، بغير واسطة ولا مترجم‎:

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا‎ ‎فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُواْ أَإِنَّكَ‎ ‎لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ ‏يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا‎ ‎إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‎ (90) ‎قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ‎

يكاد الحوار يتحرك بأدق تعبير عن مشاعرهم الداخلية.. فاجأهم عزيز مصر‎ ‎بسؤالهم عما ‏فعلوه بيوسف.. كان يتحدث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف.. وراح الحوار يمضي‎ ‎فيكشف لهم ‏خطيئتهم معه.. لقد كادوا له وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ‎

مرت‎ ‎السنوات، وذهب كيدهم له.. ونفذ تدبير الله المحكم الذي يقع بأعجب الأسباب.. كان‎ ‎إلقاؤه في البئر هو بداية صعوده إلى السلطة والحكم.. وكان إبعادهم له عن أبيه سببا‏‎ ‎في ‏زيادة حب يعقوب له. وها هو ذا يملك رقابهم وحياتهم، وهم يقفون في موقف استجداء‎ ‎عطفه.. إنهم يختمون حوارهم معه بقولهم‎:

قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ‎ ‎اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ‎

إن روح الكلمات واعترافهم‎ ‎بالخطأ يشيان بخوف مبهم غامض يجتاح نفوسهم.. ولعلهم فكروا ‏في انتقامه منهم وارتعدت‎ ‎فرائصهم.. ولعل يوسف أحس ذلك منهم فطمأنهم بقوله‎:

قَالَ لاَ تَثْرَيبَ‎ ‎عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‎

لا مؤاخذة، ولا لوم، انتهى الأمر من نفسي وذابت جذوره.. لم يقل لهم إنني‎ ‎أسامحكم أو ‏أغفر لكم، إنما دعا الله أن يغفر لهم، وهذا يتضمن أنه عفا عنهم وتجاوز‎ ‎عفوه، ومضى بعد ‏ذلك خطوات.. دعا الله أن يغفر لهم.. وهو نبي ودعوته مستجابة.. وذلك‎ ‎تسامح نراه آية ‏الآيات في التسامح‎.

ها هو ذا يوسف ينهي حواره معهم بنقلة‎ ‎مفاجئة لأبيه.. يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من ‏الحزن عليه.. يعلم أنه لم يعد‎ ‎يبصر.. لم يدر الحوار حول أبيه لكنه يعلم.. يحس قلبه.. خلع ‏يوسف قميصه وأعطاه لهم‎:

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ‎ ‎بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ‎

وعادت القافلة إلى فلسطين‎.

المشهد الثامن‎:

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ‎ ‎أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ‎

في‎ ‎فلسطين.. قال يعقوب -عليه السلام- لمن حوله: إني أشم رائحة يوسف، لولا أنكم ‏تقولون‎ ‎في أنفسكم أنني شيخ خرِف لصدقتم ما أقول‎.

فرد عليه من حوله‎:

قَالُواْ‎ ‎تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ‎

لكن المفاجأة البعيدة‎ ‎تقع‎:

فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ‎ ‎بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ‎ ‎تَعْلَمُونَ‎

هنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه‎:

قَالَ أَلَمْ‎ ‎أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96) قَالُواْ يَا‎ ‎أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا ‏خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ‎ ‎أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏‎

ونلمح هنا‎ ‎أن في قلب يعقوب شيئا من بنيه، وأنه لم يصف لهم بعد، وإن كان يعدهم ‏باستغفار الله‎ ‎لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح‎.


ها هو المشهد الأخير في قصة يوسف‎:


بدأت‎ ‎قصته برؤيا.. وها هو ذا الختام تأويل رؤياه‎:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى‎ ‎يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ‎ ‎آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ ‏عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا‎ ‎وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي‎ ‎حَقًّا وَقَدْ ‏أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ‎ ‎الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ ‏إِخْوَتِي إِنَّ‎ ‎رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‎

تأمل‎ ‎الآن مشاعره ورؤياه تتحقق.. إنه يدعو ربه‎:

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ‎ ‎الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ‎ ‎وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ‏الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا‎ ‎وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‎

هي دعوة واحدة.. تَوَفَّنِي‎ ‎مُسْلِمًا‎









هذا الموقع تحت إدارة وإشراف شبكة الندابي جميع الحقوق محفوظه 1998 - 2009 ©

قانون موقع مجالسنا