مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #1382606
    تجليآت
    مشارك

    ثالثا: حفظ حقه بعد ولادته:

    أ‌- التسمية:

    إن الاسم الحسن علامة جميلة تميز الرجل طول حياته، كما إن الاسم السيء وصمة عار تلصق بالإنسان حتى بعد وفاته، فقد كانت قبيلة من العرب تستحيي من اسمها الذي لصق بجدهم الذي ينتسبون إليه، فكانوا يسمون أنف الناقة.

    وما زالوا يستحيون من ذلك حتى قال الشاعر:

    قوم هم الأنف والأذناب غيرهم…ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا.

    فتغير الحال وأصبح فخرا لهم بعد أن كان وصمة عار عليهم.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب الاسم الحسن ويستبشر به، وعندما جاء سهيل بن عمرو ليفاوض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رآه : سهل أمركم. وهذا من الفأل الحسن الذي كان يحبه عليه الصلاة والسلام.

    وعن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ما اسمك قال حزن قال أنت سهل قال لا السهل يوطأ ويمتهن قال سعيد فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة. قال أبو داود: وغيّر النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسماه هشاما وسمى حربا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا تسمى عفرة سماها خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنو الزنية سماهم بني الرشدة وسمى بني مغوية بني رشدة.[1]

    وعن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للقحة تحلب من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك فقال له الرجل مرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس، ثم قال من يحلب هذه، فقام رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما اسمك فقال حرب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس، ثم قال من يحلب هذه فقام رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك، فقال يعيش فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم احلب.[2]

    وسأل عمر بن الخطاب رجلا فقال ما اسمك؟ قال جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار. قال: بأيتها؟ قال: بذات لظى.

    قال عمر: أدرك أهلك فقد هلكوا أو احترقوا، فكان كما قال عمر[3]

    إن الشريعة الإسلامية قد راعت جوانب كثيرة في مسألة حقوق الطفل، فأكدت على الجوانب النفسية والروحية والمادية، لتبني بذلك صرحا مجيدا لا يضاهى في حفظ حقوق الطفل، وكيف لا وهي شريعة القسط التي قال الله عنها : (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)الحديد 25.

    لذا فقد أمر الشرع باختيار الاسم الحسن للولد، وجعل هذا من حقوقه على والديه، ورغب في بعض الأسماء، فكان أحب اسمين إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن، لما تضمناه من معنى العبودية التي هي سبب خلق الإنسان.

    قال ابن القيم رحمه الله : (ولما كان الاسم مقتضيا لمسماه ومؤثرا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبد الرحمن وكان إضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما ، كالقاهر والقادر فعبد الرحمن أحب إليه من عبد القادر وعبد الله أحب إليه من عبد ربه وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفا ، ورجاء وإجلالا وتعظيما ، فيكون عبدا لله وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر)[4]

    ب‌- العقيقة: لقد جعل الشرع الكريم العقيقة دليلا على الفرح بالمولود، ملغيا بذلك ما كان عليه أهل الجاهلية من تشاؤم بالأنثى، حتى إن أحدهم ليتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، فجعلت الشريعة من حق المولود عقيقة تذبح عنه يوم سابعه، بالإضافة إلى حلق شعره وختانه إن كان ذكرا، شاتين عن الذكر وشاة عن الأنثى.

    قال صلى الله عليه وآله وسلم : الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى ويحلق رأسه)[5]

    وقال : (عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة)[6]

    ت‌- حق الرضاعة : قال تعالى : (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) البقرة 233.

    فأمر المرأة بالرضاع، وأمر الزوج بالإنفاق، والنتيجة، أن يحظى الطفل بحقه في الرضاع.

    ث‌- حق الحضانة: فهو حق أساسي لا يزول عن الطفل مهما كانت الظروف، فتنتقل هذه المسؤولية في عصبته على الترتيب المذكور في الفقه، ولا تسقط عن شخص إلا وانتقلت إلى شخص آخر حتى لا يبقى هذا الولد من غير حضانة ورعاية.

    وأولى النساء بحضانة الطفل أمه سواء أكانت تحت أبيه أم فارقته.

    فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني. فقال رسول الله أنت أحق به ما لم تنكحي[1]. بل حرم الشرع التفريق بين الأمة وابنها روى مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها وهو يستمتع منها فإذا مات فهي حرة)[7]

    وقد اتفقت المذاهب الثلاثة: الحنفية، والشافعية، والحنابلة على تقديم

    الأم، ثم أمها، ثم أم الأب، ثم الأخوات، ثم الخالات، ويقدم الحنابلة بعد

    ذلك العمة، بينما يقدم الحنفية والشافعية بنات الأخوة والأخوات على

    العمات، ويتفق المالكية مع بقية المذاهب على تقديم الأم ثم أمها،ولكنهم

    يقدمون الخالة على الجدة وعلى الأخوات، كما يقدمون العمات على بنات

    الأخوة والأخوات. كل هذا حفظا لحق الطفل وتأمينا لحاضنة تشفق عليه، وتنتمي بصلة القرابة إليه.

    ج‌- التربية: إن مسؤولية الأب الأولى تجاه ولده، أن يقيه نارا وقودها الناس والحجارة، قال تعالى : (يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) التحريم 6.

    ولقد أناط الله هذه المسؤولية بالأب وسيسأله عنها يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته)[8]

    إن هدف الأب أن يجعل ابنه ناجحا في حياته، لكن كثيرا من الآباء يقصرون نظرتهم للنجاح في هذه الحياة، متناسين أن ابنهم سيحيى حياتين، وأن عليه أن ينجح نجاحين، فتجد الأهل مهتمين بالدراسة والاختبارات أشد من اهتمامهم بالصلاة، فتجد الأسرة كلها تهتز والحزن يعم إذا رسب في الاختبار، بينما يقابل ببرود إن فرط في الصلاة، هذا إن سئل عن الصلاة أصلا…

    من هنا يظهر سوء الفهم وسوء الإدراك ، عند كثير من الآباء لمسؤوليتهم تجاه أبناءهم.

    لقد كلف الله الآباء بأن يأمروا أهلهم وأبناءهم بالصلاة ويصطبروا على ذلك، قال تعالى : (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) طه 132. والأمر بالصلاة يشمل كل أنواع التربية على الخير والمعروف، فهذا تنبيه على الأدنى بذكر الأعلى، ثم انتقل الخطاب في الآية إلى الحديث عن موضوع الرزق فقال تعالى (لا نسألك رزقا نحن نرزقك) وقد لا يظهر ارتباط بين مسألة الرزق ومسألة الأمر بالصلاة، لكن هذا فيه تنبيه لطيف إلى أن الناس يهتمون بأمر الرزق الذي ضمنه الله لهذا الولد قبل أن يولد بخمسين ألف سنة، وجفت بذلك الأقلام، حتى يكون ذلك سببا يشغلهم عن الأمر بالصلاة الذي يشمل كل معاني التربية الحسنة، فوجهت الآية الأب إلى أن يجعل اهتمامه منصبا على التربية ويترك الرزق على من لا يخلف وعده : (نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) طه 132.

    ح‌- النفقة: لقد أوجبت الشريعة الإسلامية على الأب أن ينفق على أبنائه، ورتبت على ذلك ثوابا عظيما.

    قال تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك) البقرة 233.

    وقد حذر الشرع من تضييع المرء لمن يعولهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)[9]. ولما اشتكت هند بنت عتبة رضي الله عنها شح زوجها أبي سفيان أمرها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أبناءها فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)[10]

    وتتضمن نفقة الأطفال كل ما هو ضروري من سكن ورضاع وطعام

    وشراب وكسوة، وعلاج، ومواصلات، وتعليم، ويكون الإنفاق عليهم واجبا إلى أن يتمكنوا من أن يعولوا أنفسهم.

    خ‌- حق المعاملة الحسنة والعدل:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قَّبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: من لا يرحم لا يرحم)[11]

    وعن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكل فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار)[12]

    وأكد الشرع على العدل بين الأبناء حفاظا على نفسياتهم وِإبقاء على ودهم وأخوتهم.

    عن النعمان بن بشير رضي الله عنهم قال: تصدق علي أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم فرجع أبي فرد تلك الصدقة.[13]

    إن الناظر في شمولية الشريعة لا يسعه إلا أن يعلنها صريحة : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا[2])

    فإلى كل العالم نقدم هذا الدستور الإلهي العظيم الذي يبهر العقول، ويسعد القلوب، فليس للعالم نجاة أو سعادة إلا بهذا الشرع المعصوم، وهذا الكتاب العظيم الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد[3])

    ——————————————————————————–

    [1] ) أبو داوود(2276 ) وحسنه الألباني رحمه الله.

    [2] ) المائدة:6

    [3] ) فصلت:42.

    ——————————————————————————–

    [1] صحح الألباني الرواية في سنن أبي داود 4/289

    [2] الموطأ باب ما يكره من الأسماء.

    [3] الموطأ باب ما يكره من الأسماء.

    [4] زاد المعاد 2/312

    [5] الترمذي باب العقيقة بشاة

    [6] النسائي (4216)

    [7] موطأ مالك (798)

    [8] صحيح البخاري باب الجمعة في القرى والمدن.

    [9] مسند أحمد 6459

    [10] البخاري 4758

    [11] البخاري 8651

    [12] مسلم 2630

    [13] مسلم 3055

مشاهدة مشاركة واحدة (من مجموع 1)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.

يستخدم موقع مجالسنا ملفات تعريف الارتباط الكوكيز لتحسين تجربتك في التصفح. سنفترض أنك موافق على هذا الإجراء، وفي حالة إنك لا ترغب في الوصول إلى تلك البيانات ، يمكنك إلغاء الاشتراك وترك الموقع فوراً . موافق إقرأ المزيد