الرئيسية منتديات مجلس الثقافة العامة الخوف من المجهــــول الجزء الثاني؟؟؟

مشاهدة 13 مشاركة - 1 إلى 13 (من مجموع 13)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #556027

    الحلــــــــــــف و الاستغـــــــــــاثة

    مضتْ أيامٌ قلائل بعد النقاش والصراع .. خفّت حدة التوتر قليلاً .. ذهبنا جميعاً إلى البحر في وقت الفجر ..
    آه ما أجمله !! كانت النجومُ ما تزال تلمع في كبد السماء ..
    وأشعة الشمس .. لقد بدأت بالظهور شيئاً فشيئاً ..

    دخل الزوج مع إخوته إلى البحر … يتلاعبون .. يتمازحون .. تذكرتُ إخوتي ..؟!
    كم أشتاق إليهم .. ناداني الجميع لأشاركهم المرح واللعب في البحر ..
    اعتذرتُ وعللتُ بقائي برغبتي في الجلوس مع والدة الزوج قليلاً ..
    ولكن الرفض كان سببه أني لا أريد كسر طوق الجليد مع إخوته ! فكيف أوافق على اللعب معهم إذاً ؟!

    بقيتُ مع والدته .. استرقْتُ النظر إليها .. إنها تتأمل أبناءها ..
    تذكرتُ أمي .. إخوتي .. أبي .. تنهدتُ بعمق .. مسحتُ دمعةً حزينة كادتْ أن تفتح باباً لأنهار الدمع بداخلي ..
    آه .. عائلتي تعتقد بأن السعادة ترفرفُ على أرجاء حياتي !! إنها لا تعلم بمعاناتي !!

    حدّقتُ في البحر .. في الزرقة الممتدة أمامي بلا نهاية .. آه .. أشتاق كثيراً لسماع صوت أمي ..
    لمداعبات أبي وأخوتي .. أوه .. أفقتُ من أحلامي الجميلة عندما تحركتْ والدة الزوج ونظرتْ إليّ !!!
    تحركتُ بحذر .. ثم قلتُ بابتهاجٍ مُصطنع :
    – خالتي .. هل تريدين أنْ أعدَّ لك بعض الطعام ؟!
    – لا .. لا أشعر بالجوع الآن … شكراً لكِ .. فقط أريد كوباً من الشاي ..
    فالطقس يُساعد على الانشراح .. ابتسمتُ بصدق .. وأحضرتُ لها كوب الشاي لتشربه ..
    إنها تفضله دائماً من صنع يدي .. ناولتها الكوب .. حذّرتُها من إمكان وقوعه .. فالأرض غير مستوية ..
    عبّرت عن امتنانها لي بابتسامةٍ مسرورة .. وقامتْ بوضعه أمامها .. أما أنا فعدتُ ثانيةً لتأمل ظهورقرص الشمس كاملاً ..
    تحركتْ الأم وهي تحدّق في أبنائها مسرورة .. فانسكب الشاي على قدمها وأحرقها ..
    فتمتمتْ قائلة بغضب وهي تحدث نفسها ..
    – ( يا فلان بن فلان ) .. تتوسّل بأحد الأموات وتستنجد به !!
    استولى الاستياءُ عليّ .. فأدرتُ ظهري للبحر وقابلتُها مباشرةً .. ثم قُلتُ لها بلطف :
    – خالتي .. ماذا تقصدين بـ ( فلان بن فلان ) ! ولِمَ هو بالذات ؟!
    نظرتْ إليّ باستغراب وكأنها لم تكن تنتظر مني مثل هذا السؤال .. ثم قالت بعد صمتٍ وتلعثم :
    – إنه .. إنه .. أحد أولياء الله الصالحين المقرّبين إلى الله .. آه لقد مات منذ زمنٍ بعيد ..
    نستنجد به ونتوسل إليه .. وهذا أمرٌ واجبٌ مفروضٌ يا ابنتي .. واجبٌ دينيّ يجب علينا وعليك أيضاً عمله !!
    حدّقتُ بها شككتُ في صحة معلوماتها فقلت :
    – ولكنك كما قلتِ مات !! فماذا تطلبين من ميتٍ أو ترجين منه يا خالتي ؟!!!
    شعرتُ بأنها تأخذ نفساً عميقاً .. ضمّتْ يديها وقالت بتعجرف :
    – ولكن روحه تخرج إلينا .. وتساعدنا وتجيب ملهوفنا ..
    ولذلك نطلب منه ومن غيره من أولياء الله ما نريد !
    – تطلبون منه ما تريدون ؟!! مثل ماذا ؟
    – مثل .. مثل .. الرزق .. الأولاد .. الزواج .. النجاح .. الشفاء من الأمراض والأوجاع …
    حبسْتُ أنفاسي في مكانٍ ما حول قلبي الذي كان يطرق بقوةٍ وعنفٍ .. هناك صوتٌ صغيرٌ بداخلي
    قد يئس منهم يهتف بي بقوة بأن هذه حقائق زائفة .. ولا يهمني سماعها ..
    ألا يجب أن تكون أكثر عقلانيةً في مثل هذه السّنّ ؟ قلتُ بقلق :
    – خالتي الحبيبة .. فكري معي قليلاً .. أرجوكِ .. حسناً لنتبادل وجهات النظر ونؤيد أصحها ..
    ألا ترين معي أن سؤال الميت أو الغائب يُعدُّ مُنكراً لنفوسنا ؟ لا نرتضيه لأنفسنا !!
    ثم إنه لم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. ولا فعله أحدٌ من الصحابة أو التابعين .. فكيف نفعله نحن ؟
    قاطعتني بجديةٍ وهي تؤمن بكلمة تقولها :
    – أوووه … ماذا تقولين ؟ ما هذا الهراء ؟ إننا قد تعوّدنا أن نستغيث بهم إذا نزلتْ بنا تِرةٌ أو
    عرضتْ لنا حاجة ! إني أقول لميت من الأولياء ( يا سيّدي فلان بن فلان )
    أنا في حسبك أو أقضِ لنا حاجتنا .. وسُرعان ما يقضيها ..
    تجهّم وجهي على الفور فقلتُ بغيظٍ كظيم :
    – ولكنّ أحداً من الصحابة لم يستغثْ بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ( وهو نبي ) !!
    ولا بأحدٍ من الأنبياء أو بغيرهم .. والاستغاثة بغير الله عزّ وجلَّ مُحرّمة ..
    فقدتْ أعصابها عند سماع كلماتي .. فلم تجدْ بداً من الإدلاء بدليلٍ تحاول به تشويه الواقع :

    – لن أقتنع .. هلاّ علمتني بأن أحد أئمة الصوفية العظماء كان قد دعا الله ستّ سنوات أن يرزقه الولد ..
    فلم يُرزق !! فذهب إلى وليّ صالحٍ .. فما إن استغاث به وطلب منه الولد حتى رُزق بطفلين توأمين !!!!
    حملقْتُ فيها بعينيّ .. شعرتُ بأنّ لمعاتِ البرق تكادُ أن تمزق السماء !
    شحب وجهي .. لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم .. هل بعد هذا الشرك من شرك ؟!
    وبحركةٍ لا شعورية .. تابعتْ قولها وهي ترتعد غضباً مني .. وأنفاسها تتمزق ..
    _- ألا تصدقين ؟! حسناً .. بجاه فلان بن فلان .. وبحق النبي .. أن هذا ما حدث له !!
    ولكن ما أدراكِ أنت ؟!! إنّ تربيتك الدينية كانت غيرسليمة .. أعانك الله عليها يا بُنيتيّ !!!

    امتقع وجهي فأصبح كالغمام .. طالتْ فترةُ الصمت .. وساد صمتٌ آخر ..
    إنها تحلف !! بمَن ؟ أيضاً بغير الله !!
    – خالتي .. خالتي نحن نتجاذب أطراف الحديث !! يجب أن تُقنع إحدانا الأُخرى !
    كيف.. كيف تدعين وتستغيثين بغير الله ؟! خالتي إنك تفتقرين إلى غير الله .. ألا تعلمين أن في ذلك إذلال للنفس وظلم لها ؟ ثم .. ثم .. إنك تحلفين أيضاً بغير الله …
    خالتي ..
    رفعتْ حاجبها باستغراب بسرعة .. ترددتْ قليلاً قبل أن تجيب :
    – كوني على ثقة ويقين بأنك عندما تطلبين اليمين بالله منّا نحن الصوفيّون فإننا نعطيك
    ما تريدين صدقاً أو كذباً .. بينما .. عندما تطلبين منّا اليمين بالشيخ أو الوليّ أو صاحب القبر
    فإننا نصدق معك ولا نجرؤ على الكذب أبداً .. وذلك لعظمتهم و جلالة قدرهم … !!!!!

    تملكتني موجةٌ من الغضب والانفعال اللاإرادي .. فهتفتُ وأنا أقفُ وأجمع حاجياتي رغبةً في الهروب منها ..
    – ولكن هذا لا يجوز !! حرامٌ أن تسألي بمخلوقٍ يا خالتي !! عودي إلى رشدك يا خالتي ..
    افهميني أرجوك ! ألم تستمعي قوله تعالى : ( ادعوني أستجب لكم ) ؟
    ألم تستمعي إلى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ” من حلف بغير الله فقد أشرك ” ؟!!
    لمْ تردّ .. لم تتحدثْ !! فضّلتُ السكوت للحظات .. لقد بلغ الصمتُ حداً يثير الأعصاب !!
    لا طيور تزقزق ! ولا أوراق تهتز مع نسيم الريح الخفيف .. حتى صوت البحر بدا مكتوماً !!
    قلتُ لها قبل أن أفترق عنها بلطفٍ ورجاء :
    – خالتي .. لقد شاهدتِ قبل قليل ولادةً لنهارٍ جديد .. وأعتقد أنه باستطاعة المرء أن يُولد مرةً أخرى ..
    إذا فتح صفحةً جديدةً .. ناسياً كل الأمور والأحداث الماضية !!
    خفّفْتُ لهجتي الهادئة من اضطرابها وغضبها .. فنقلتْ نظرها إلى البحر ..
    خلفي .. واعتقدتُ أنها تتأمله !!!
    قالت بدون أن تنظر إلي .. وقد ركّزتْ نظرها خلفي :
    – إنها فكرةٌ جيدة لم تخطر ببالي يوماً !! ولكن .. لا تظني بأنها ممكنة !!
    شعرتُ بخيبة أملٍ عنيفة .. تنهّدتُ بأسى من الأعماق .. وبحركةٍ لا شعورية ..
    التفتُّ إلى الوراء .. خلفي .. حيث كانت نظراتها مُسلّطة .. وإذا بي أجده ورائي ..
    وقد بدتْ عليه إمارات الغضب الشديد !!!!!
    نعم ( لقد كانت والدته تنظر إليه هو ولم تكن تتأمل البحر )!!
    اكتفيت بالنظر إليه وقد اتسعتْ عيناي تعجباً وتحجّر قلبي تخوّفاً ..
    فلم أجد الكلمات المناسبة للدفاع …!!
    فضّلتُ الصمت ! منذ متى وهو يقف خلفي ؟! شعرتُ بالوهن الشديد أمام نظراته التي كانت تنمّ
    عن حقدٍ دفينٍ وقهرٍ شديد !!

    #556028

    العــــــــودة المفاجئــــــــة من الرحـلـــــــة !

    وقف ساكناً وقد اختفت من وجهه كل آثار السرور السابقة .. تقارب حاجباه وهو يتقدم نحوي غاضباً ..
    لقد سمع الحديث بأكمله !! أما الآن .. فأنا في نظره أستحق القتل والصلب والسحق !!

    رفع يده بقوةٍ وهوى بها على وجهي بقوةٍ أشدّ ..
    فقدتُ القدرة على الصمود والتحمل أمام غضبه الجامح !! استجمعتُ كل قواي لأتمكن من الثبات
    واقفةً على الأرض .. فأخفقتُ !! وقعتُ أرضاً ..
    جثوتُ على ركبتيّ أستجمع ما بقي من قوتي … ثم أجهشتُ ببكاءٍ مرير يتبعه أنين مؤلم ..
    لاقيتُ صعوبةً قاتلةً في إدراك ما يدور حولي من شدة الألم ..
    انسحب بدون أن ينطق بكلمةٍ واحدةٍ .. الجميع ينظر إليّ !! هل تجسّد نظراتهم الشفقة أم التشفّي؟
    أم تُراها تصوّر انتصاراً لمذهبهم ودحراً لسنّيتيّ ؟!!!

    أمر الجميع بجمع الأمتعة وأعلن لهم عن قطع رحلتهم الممتعة والإسراع الفوري بالاستعداد للعودة !..
    فأطاعوه !! عاد إليّ مرةً أخرى .. أمرني بالوقوف .. فشلتُ .. ثم وقفتُ أترنح !!
    أمسك بيدي بكل قوته وشدّني نحو إحدى الغرف القريبة من البحر ..
    حبس الجميع أنفاسهم .. وسرتْ قشعريرةٌ مريرةٌ في جسدي ! اعتراني توترٌ يحمل تحذيراً خافتاً..
    كنتُ أعلم أنه يجب عليّ أن أمتثل له .. ولكني لم أشأ ذلك !!!

    أمرني بالجلوس .. فجلستُ فوق إحدى المقاعد .. وضعتُ يديّ على ركبتيّ كطفلةٍ دون أن أنبس بكلمة !
    فأخذ هو يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً ..
    لقد ثار عليّ وتصرف معي تصرفاً مجرداً من الإنسانية والرحمة !! ولكني واثقة من أن ذلك لن يغيّر
    شيئاً من موقفي ! فخططهم واضحة .. ومفهومة ..
    إنهم يحاولون بكل الطرق معاقبتي على تمسكي بسنّيتي !
    لم يجرؤ على الحديث معي مع أنه احترق لمعرفة ما يجول في ذهني من أفكار تجاهه !
    نظر إليّ بقلقٍ عندما طال صمتي .. وبنوعٍ من الارتباك صرخ قائلاً وأنا أرتجف من حدّة صوته :
    – والله لأعملنّ على تغيير هذه الأفكار الضالة التافهة !! وأردّك إلى صوابك !!
    ضبطْتُ نفسي وقلتُ بشكلٍ حازمٍ دون أن أنظر إليه :
    – ولكنها ليست بالأفكار التافهة .. وأنت تعلم ذلك جيداً .. إنها الحقائق التي لا يريد أحدٌ سماعها ..
    هزّني بعنفٍ قائلاً :
    – أولاً من الأدب أن تنظري إليّ عندما أوجّه إليكِ الحديث !! ثانياً : أيّ حقائق هذه التي تتشدقين بها ؟
    هل تقصدين حقائق العته والضلال ؟ حقائق الجنون ؟
    أرجوك .. كفى .. إلى متى سنظل مختلفين في هذه الأمور ؟!!!
    أرجوكِ هلاّ أسديتي إليّ معروفاً ؟ هلاّ …..
    قاطعته بحزنٍ وتوسل وقد أصابني ما أصابني من الهذيان واليأس :
    – بل أرجوك أنت أنْ تسدي إليّ معروفاً .. أرجوك .. ابق بعيداً عني أنت وأهلك !
    نحن لا نتفق إطلاقاً اتركني .. وما دمنا نختلف دوماً كما تقول ..
    فلماذا لا تتركني أذهب من حيث أتيت ؟! لماذا تحتفظ بحطامي ؟! لماذا ونحن متناقضان في كل شيء ؟!
    لماذا ؟ لا أريد البقاء معك أرجوك .. لقد تعبت … تعبت .. تعبت ..
    ثم وضعتُ رأسي بين يديّ … أجمع دمعاتي الملتهبة ..
    رباه .. رباه .. لم أعد أستطيع أن أقاوم .. أريد الخلاص .. أصابني اليأس والهلاك يا الله ..
    ارحمني يا رب..

    سيطر عليه الارتباك فقال:
    – إنكِ .. إنكِ تحاولين اختلاق الأعذار من أجل تبرير تصرفاتك ..
    لا داعي لتحميلي مسئولية تهورك وعنادك الآن .. أنا لا أسيء إليك ولا أريد إيذاءك .. أنت السبب …
    إنك لا تؤمنين مطلقاً بما أقوله لك ولا تصدقين ؟! أخاف أن تكوني من الهالكين ؟!!!

    أغمضتُ عينيّ .. تذكرتُ قول الله تعالى : ( مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار.
    تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار . لا جرم أنما تدعونني
    إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار .
    فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد )
    خاطبتُ نفسي وأنا أراهم يتهامسون .. ستظلّون يا ضحايا الصوفيّة عُمْي البصائر والقلوب ،
    مختوماً على سمعكم فلا تسمعون من أحدٍ كلمة حقٍ تجادلُ باطلاً صوفيّاً !!!

    عُدنا إلى المنزل المشؤوم .. جلستُ على الأريكة .. أفكر في حياتي .. في مصيري .. يا رب ..
    إنّ مع العُسر يسرا.. وقفتُ أتهاوى .. مشيتُ بخطىً وئيدة نحو المرآة ..
    نظرتُ إلى نفسي فيها .. لا أكاد أصدق عينيّ !! لقد طرأ تغيير كبير عليّ !! ارتميتُ على الفراش ..
    أخذتْ أنفاسي تنتظم .. ومشاعري تهدأ .. وقلبي يسكن … ..

    #556029

    العــــــــودة المفاجئــــــــة من الرحـلـــــــة !

    وقف ساكناً وقد اختفت من وجهه كل آثار السرور السابقة .. تقارب حاجباه وهو يتقدم نحوي غاضباً ..
    لقد سمع الحديث بأكمله !! أما الآن .. فأنا في نظره أستحق القتل والصلب والسحق !!

    رفع يده بقوةٍ وهوى بها على وجهي بقوةٍ أشدّ ..
    فقدتُ القدرة على الصمود والتحمل أمام غضبه الجامح !! استجمعتُ كل قواي لأتمكن من الثبات
    واقفةً على الأرض .. فأخفقتُ !! وقعتُ أرضاً ..
    جثوتُ على ركبتيّ أستجمع ما بقي من قوتي … ثم أجهشتُ ببكاءٍ مرير يتبعه أنين مؤلم ..
    لاقيتُ صعوبةً قاتلةً في إدراك ما يدور حولي من شدة الألم ..
    انسحب بدون أن ينطق بكلمةٍ واحدةٍ .. الجميع ينظر إليّ !! هل تجسّد نظراتهم الشفقة أم التشفّي؟
    أم تُراها تصوّر انتصاراً لمذهبهم ودحراً لسنّيتيّ ؟!!!

    أمر الجميع بجمع الأمتعة وأعلن لهم عن قطع رحلتهم الممتعة والإسراع الفوري بالاستعداد للعودة !..
    فأطاعوه !! عاد إليّ مرةً أخرى .. أمرني بالوقوف .. فشلتُ .. ثم وقفتُ أترنح !!
    أمسك بيدي بكل قوته وشدّني نحو إحدى الغرف القريبة من البحر ..
    حبس الجميع أنفاسهم .. وسرتْ قشعريرةٌ مريرةٌ في جسدي ! اعتراني توترٌ يحمل تحذيراً خافتاً..
    كنتُ أعلم أنه يجب عليّ أن أمتثل له .. ولكني لم أشأ ذلك !!!

    أمرني بالجلوس .. فجلستُ فوق إحدى المقاعد .. وضعتُ يديّ على ركبتيّ كطفلةٍ دون أن أنبس بكلمة !
    فأخذ هو يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً ..
    لقد ثار عليّ وتصرف معي تصرفاً مجرداً من الإنسانية والرحمة !! ولكني واثقة من أن ذلك لن يغيّر
    شيئاً من موقفي ! فخططهم واضحة .. ومفهومة ..
    إنهم يحاولون بكل الطرق معاقبتي على تمسكي بسنّيتي !
    لم يجرؤ على الحديث معي مع أنه احترق لمعرفة ما يجول في ذهني من أفكار تجاهه !
    نظر إليّ بقلقٍ عندما طال صمتي .. وبنوعٍ من الارتباك صرخ قائلاً وأنا أرتجف من حدّة صوته :
    – والله لأعملنّ على تغيير هذه الأفكار الضالة التافهة !! وأردّك إلى صوابك !!
    ضبطْتُ نفسي وقلتُ بشكلٍ حازمٍ دون أن أنظر إليه :
    – ولكنها ليست بالأفكار التافهة .. وأنت تعلم ذلك جيداً .. إنها الحقائق التي لا يريد أحدٌ سماعها ..
    هزّني بعنفٍ قائلاً :
    – أولاً من الأدب أن تنظري إليّ عندما أوجّه إليكِ الحديث !! ثانياً : أيّ حقائق هذه التي تتشدقين بها ؟
    هل تقصدين حقائق العته والضلال ؟ حقائق الجنون ؟
    أرجوك .. كفى .. إلى متى سنظل مختلفين في هذه الأمور ؟!!!
    أرجوكِ هلاّ أسديتي إليّ معروفاً ؟ هلاّ …..
    قاطعته بحزنٍ وتوسل وقد أصابني ما أصابني من الهذيان واليأس :
    – بل أرجوك أنت أنْ تسدي إليّ معروفاً .. أرجوك .. ابق بعيداً عني أنت وأهلك !
    نحن لا نتفق إطلاقاً اتركني .. وما دمنا نختلف دوماً كما تقول ..
    فلماذا لا تتركني أذهب من حيث أتيت ؟! لماذا تحتفظ بحطامي ؟! لماذا ونحن متناقضان في كل شيء ؟!
    لماذا ؟ لا أريد البقاء معك أرجوك .. لقد تعبت … تعبت .. تعبت ..
    ثم وضعتُ رأسي بين يديّ … أجمع دمعاتي الملتهبة ..
    رباه .. رباه .. لم

    #556030

    مراســـم المــــــولد النبـــــــوي الشريـــــــــف

    طُرق الباب ..! استدرتُ نحوه بعينين أثقلهما النوم .. قلتُ بإعياء :
    – مَنْ الطارق ؟!
    سمعتُ صوت أخت الزوج تستأذن بالدخول .. نظرتُ إلى الحائط .. الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً ..
    ساعتان مضتا منذ أن عُدنا من البحر .. حلّقتْ أفكاري حول ما حدث اليوم ..
    طُرق البابُ مرةً أخرى .. أوه تذكرت !! وثبتُ واقفةً وأدرتُ مفتاح الباب وقلتُ لها بإرهاق :
    – تفضلي .. عذراً كنتُ نائمة..
    قالت بصوتٍ ينم عن بهجتها الخفية :
    – هل .. هل ستذهبين معنا اليوم ؟!!
    ترددتُ برهةً ثم ابتسمتُ وأنا أسألها بفضول :
    – إلى أين ؟ هل سنتنزه قليلاً مثلاً ؟ أشعر بالضجر !
    قالت بمكر :
    – لا أعلم .. لا أعلم .. ألم يخبرك زوجك عن ذهابنا اليوم ؟
    أحسستُ بانقباض في صدري لا أعرف له سبباً :
    – لا يا عزيزتي .. حتى الآن لم يخبرني أحدٌ إلى أين سنذهب ! ألا تعلمين !!!
    بعد تردد أجابت :
    – لا أعلم .. أقصد .. حسناً أراكِ فيما بعد .. سوف .. حسناً أعتقد أن والدتي تناديني .. بالإذن ..!!!
    ما بها؟ لِمَ هي مرتبكة ؟ لا يهم أشعر برغبةٍ في الاستلقاء وأخذ قسطٍ من الراحة بعد القراءة .. قرأت قليلا .. ثم أعدت وضع كتبي في الدرج الخاص بي .. وفيما أنا أفعل .. دخل الزوج :
    – ماذا تفعلين ؟! ألم تنامي بعد ؟!
    – سأفعل .. فضلتُ قراءة بعض الكتب .. سآخذ قسطا من الراحة الآن ..
    قراءة بعض الكتب ؟! أي كتبٍ تقصدين ؟!!
    نهض من مكانه وشعرتُ بأنه يفضل الإطلاع على الكتب بنفسه .. لم أمانع .. من حقه أن يراها !
    فتح الدرج .. أخرج الكتب .. امتقع وجهه وهو يقرأ العناوين بصوتٍ خافت :
    الكلم الطيب لابن تيمية ، الأذكار للنووي ، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ..
    الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عيّاض .. فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، رسالة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حكم الاحتفال بالمولد ….
    صاح بي قائلا وصدره يتأجج غضبا :
    – من أين جاءت هذه الكتب ؟!!
    – جئتُ بها من منزل عائلتي .. ما بك ؟!!!
    اعترض على وجودها معي بإصرار:
    – كان يجدر بك استشارتي في قراءة هذه الكتب السخيفة !!!
    ألقى نظرةً إلى الكتب مرةً أخرى وأضاف حانقا وهو يُلقي بها أرضا :
    – كان بإمكاني أن أختار لك الكتب التي يجب عليك قراءتها والتدبر فيها ..!!
    إنه يتضايق كثيرا عندما أبدي اهتماما بالغا بالكتب والمطالعة !!!!
    كرر حديثه مرةً أخرى وقال بإصرار:
    لا أريد أن أرى هذه الكتب في الحجرة ولا في البيت بأكمله ! أنا سآتي لك بالكتب التي أرغب في قراءتك لها !
    ابتسمتُ لهذه الفكرة وأجبت :
    – ولكن لا أظن بأننا نفضل نوعية الكتب نفسها .. أليس كذلك ؟!
    لم يجد أي تعليق يضيفه على كلامي سوى :
    – لن تقرأي هذه الكتب مرة أخرى .. هذا أمر .. لا أريد تكرار الكلام .. تخلصي منها بأسرع وقت ..
    فهذه الكتب هي التي تغسل أفكارك .. وتحجر معتقداتك !!!
    آه .. لا مجال للمناقشة .. لا أريد الدخول في حلقة مفرغةٍ جديدة .. لن أنازعه .. قلتُ باستسلام :
    – حسنا .. لك ما تريد .. سأحرقها إن أردت !!!
    رأيتُ وميضا راقصا في عينيه !!
    استيقظتُ على صوت آذان العصر .. ما زالت الكتب في مكانها !! أخذتها بسرعة .. خبأتها تحت السرير ..
    في مكان لن يراها فيه ! أيقظته .. قام كالملدوغ وهو ينظر إلى الساعة !! ما باله؟!
    هل خاف أن تفوته صلاة العصر في المسجد ؟!
    مستحيل !!! لم أسأله …
    قال لي وعيناه ما تزالان مغمضتين :
    – هيا بسرعة .. استعدي سنذهب بعد نصف ساعة .. لا تعتذري عن الذهاب .. لا أريد اعتراضات ! بسرعة
    سأذهب إلى أمي لأستحثها على الاستعداد بسرعة .. أمامك متسع من الوقت ..
    تزيني بأفضل بأفضل الملابس !!! ثم .. خرج …
    ماذا يقصد ؟ لم يخبرني أحدٌ بأن هناك وليمةً أو حفلة زفاف !!!
    عاد …
    – هل أنت جاهزة ؟
    `- تقريبا ! ولكن أريد أن أصلي العصر أولا .. انتظر ..
    قال وكأنه قد تذكر شيئا مهما …
    – آه .. نسيتُ أن أصلي !! هيا سأصلي أمامك . تراجعي إلى الخلف ..
    قلتُ في نفسي : ( أين الصلاة في المسجد ؟ لماذا لا تلبي داعي الله إلى المسجد … واحسرتاه !!!! )
    التفت إليّ قبل أن يكبر وقال :
    – هيا .. اجهري بنية الصلاة .. وبصوت مسموع .. كي أسمعك .. رددي خلفي .. نويتُ أن أصلي لله تعالى أربع ركعات لصلاة العصر إماما .. ثم سكتَ .. رفعت حاجبي استغرابا .. وذهلتُ ! التفت مرة أخرى إليّ وقال :
    ما بالك ؟! ألم تستمعي إلى قولي ؟!
    قلت مذهولة : بلى !! ولكن الجهر بالنية والتلفظ بها :
    قاطعني بغضب :
    – سنة !! وليس بدعة كما تعتقدين .. هيا رددي ما قلته .. ألا تسمعين ؟!
    – ولكني نويتها في قلبي مثلما نويتُ الوضوء الذي قبلها وهذا يكفي !…
    ضرب كفيه ببعضهما في نفاد صبر وقال :
    – وماذا بعد ؟!! قلتُ لك تلفظي والآن أمامي .. أريد أن أسمع .. تبا لكم من وهابيين ..
    كل مستقيمٍ تجعلونه أعوجا !! هيا انطقي بها ..
    نطقتُ بها مكرهة ! فتظاهرتُ بالصلاة معه .. وقد كنت أصلي بمفردي ..
    آهٍ .. لقد شككتُ حتى في صلاتي .. وهي ما أشعر فيها بالراحة والسعادة !!!
    أنهينا الصلاة .. وعند التسليم لاحظتُ كفيه يتحركان يمنة ويسرة .. ما باله ؟
    لماذا يحركها مع التسليمة ؟ أردتُ السؤال فامتنعتُ .. لا أريد المزيد من الجدل ..
    تظاهرتُ بالتسليم معه حتى لا يقيم غضبه الدنيا .. فأنا لم أعد أحتمل ..كفاني .. قلتُ : ألن تخبرني إلى مكان ذهابنا ؟
    – ستعرفين فيما بعد .. لا نريد التأخر ..بقيتْ لنا عشر دقائق فقط.. أين ملابسي؟
    جاهزة .. ولكن أرجوك أخبرني..
    إلى أين ؟ لا أعرف لماذا أنا غير مطمئنة ..! تمالك نفسه وأراد الخروج فأوقفته: انتظر أرجوك .. أخبرني أولا ..
    إلى أين ؟! إلى أين ؟!
    أجاب وهو يبتعد خارجا من الغرفة : سنذهب إلى مكان يقام فيه مولد نبوي .. هل اطمأننتِ ؟
    أوقفته مرة أخرى .. نظرتُ إليه بتشكك ووجل: مولد نبوي ؟! ماذا تعني بذلك ؟!!
    – لن أخبركِ سترين بنفسك .. ستسعدين بحضوره .. والآن هيا حتى أغلق الحجرة .. تقدمي ..
    أغلق الحجرة .. هرول هابطا قبلي إلى الدور السفلي .. فكرتُ في كلماته مليا .. ماذا يقصد ؟ هبطتُ السلالم ببطء شديد ! هل لهذه المناسبة ارتباط بمعتقدات الصوفية ؟!! لماذا لا يريد إخباري ؟ هناك شيء ما أجهله !!
    قابلتُ أمه في البهو .. إنها بكامل زينتها .. وكذلك أخته !! نظراتها شاردة .. لا تريد أن تلتقي بنظراتي المرتابة !!
    لماذا ؟! قالت الأم لابنتها بلطف وهي تتأملها :
    – إنك جميلة يا ابنتي بهذا الثوب .. هل أخذتِ معك كل الكتب المطلوبة ؟
    أجابت ابنتها وقد أشرق وجهها بابتسامة تنم عن فرحها بحضور هذه المناسبة :
    – نعم يا أمي .. كل شيء جاهز .. كتاب دلائل الخيرات .. والبردة .. وكتاب الغزالي .. ومجالس العرائس .. وكذلك أخذت معي .. الدفوف .. والمزامير .. لا تخافي .. لم أنسَ شيئا أمي !!
    قلت في نفسي:
    – عجبا .. عمّ تتحدثان ؟! كتبهم الدينية مع دفوف ومزامير ؟! ما هذا التناقض ؟!!!
    تذكرتُ بسرعة ما تحتويه تلك الكتب من زيغٍ وضلال .. عرفتُ إذا أن ذهابنا لشيءٍ ما غير سوي !!!
    لا أريد الذهاب ! ولكن ستقلب الدنيا إن رفضت !!
    واجهتُه قبل خروجه من المنزل ، وقلت له متوسلة : أرجوك … لا أريد الذهاب .. أرجوك .. اذهب أنت وعائلتك ..
    سوف أنتظركم هاهنا ! أتركوني فأنا لن أستطيع الذهاب .. اذهبوا أنتم إلى أي مكانٍ ترغبون !
    ابتسم ابتسامة ماكرةً تحمل ألوان الدهاء والخبث :
    ألا تريدين الذهاب معنا يا عزيزتي ؟!! حسنا ..
    صدقته وقد امتلأ قلبي بالفرح .. أخيرا فهم ؟!! أحسستُ بأني أطير في السماء من شدة الفرح والحبور ..
    ولكن للأسف .. وُئدِتْ تلك الفرحة للتو فلم تعرف النور !!!

    #556032

    كز على أسنانه بقوة .. ونطقت عيناه بالوعيد الذي عهدته لهما .. واحمر وجهه غضبا ..
    شعرت بحرارة أنفاسه الساخطة وهو يهمس بصوت يرعد:
    _ لن أطيل الصبر في السيارة !! بسرعة تقدمي قبل أن أفقد صبري معك!!!!!
    آه.. لا مجال أيضاً للمراوغة.. اضطررتُ للذهاب.. كم رجوتهم بأن يتركوني.. لهم دينهم ولي ديني! لا فائدة!! ذهبتُ معهم..
    دخلنا في حارة ضيقة مفتوحة الطرفين.. متعرجة.. طويلة.. مُضاءة.. ذات طابع خاص.. أهم ما فيها الهدوء والنظافة.
    كنتُ مطرقةً متجهمةً بليدةً في السيارة.. ولكني أدركتُ أنني على وشك أن أفقد كل شيء!!
    فاجأني صوت أمه تقول بابتهاج:
    ــ هل أنتِ على ما يُرام؟!!
    أومأت برأسي إيجاباً ولم أستطع الرد!
    سوف تبتهجين معنا الليلة … أليس كذلك؟
    أطرقتُ ساهمةً.. ولم أجب!! فأمرني الزوج بأن أتحدث قائلاً وهو ينظر إليّ من خلال مرآة السيارة الأمامية:
    ــ ألم تسمعي؟ ألست على ما يُرام؟! تكلمي!!
    بلى.. بلى..على ما يرام.. على ما يرام…!!
    اقترب من والدته وبدأ الهمس الذي عهدته كثيراً في حضرتي بينهما.. فطلبت من الله العون والمساندة ..
    كان صوتي كسيراً عندما نطقتُ.. فانزويتُ أحتضن حقيبتي وأغمضتُ عينيّ.. كأنني غريبة مسافرةٌ وحدي..
    بيد أني اليوم بدأتُ أفكر في النهاية.. ووجدتُ نفسي أهتف:
    ــ النهاية.. النهاية.. تُرى ماذا ستكون؟!!!!
    توقفت السيارة أمام منزل متواضع.. رأيت الناس يتزاحمون في الدخول إليه! سترك يا الله ! ما الذي سَيفُاجئني هنا أيضاً؟!
    خرج الجميع فاستبقاني! ماذا يريد الآن؟! ألا يكفيه ما يفعله بي؟ ألا يكفيه ما مضى؟!!!
    التفت نحوي… كان قلبي يدقّ بعنف.. أنا لستُ مطمئنة لما يجري حولي فقال بتشكك:
    ـــ أصلحي نيتك.. ولا تسخري من شيء.. هل ستفعلين؟!!
    ـــ نعم.. نعم.. سأفعل!
    خرجت بسرعة.. أغلقتُ الباب بهدوء.. لم أنتظر المزيد من الحديث.. لقد سئمت.. تنهدت من الأعماق..
    شعر الزوج كأن سهماً بارداً اخترق حناياه حين رآني أهبط من السيارة دون أن أنظر إليه..سمعتُه ينادي.. وينادي.. لم ألتفت إليه.. لم أوجه إليه كلمة واحدة.. إنه لا يستحق.. لا يستحق.. لا يستحق!!!
    وجدت أمامي سلماً طويلاً.. صعدتُه بتكاسل.. الحماس.. التحدي.. لم يعد لهما مكان لدي!! دخلتُ إلى دورة المياه..
    غسلت وجهي وكأنما أغسل أحزاني.. خرجتُ وقد نزعتُ عني حجابي.. سألت إحدى العابرات بصوتٍ ضعيف:
    ــ أين تجلس النسوة؟!
    ــ هنا.. من هذا الباب.. ثم اصعدي بعد ذلك إلى سطح المنزل.. ففيه سيُقام المولد.. أسرعي قبل أن يبدأ!!
    أمسكت دمعة كادت أن تفلت من عقالها.. ثم قلت: شكراً لك.. شكراً
    كان السكون مخيماً جداً في الممر.. أخيراً وجدت باب السطح.. ارتجفت يداي وارتعشت أناملي.. أمسكتُ بمقبض الباب .. آه.. كأني أسمع من الخارج ابتهالات النساء بصوت موحّد!! ترددت قليلاً ثم.. فتحت الباب ببطء ..
    توجهت أنظارهنّ إليّ.. شدّ انتباهي ارتداء الجميع لحجاب الرأس.. ثم الابتهالات التي كنّ يردّدنها خلف فتاةٍ حسناء ذات صوت جميل!! ماذا َيِِقُلنَ؟! دققْتُ النظر في الفتاة.. ثم في النساء.. وجدتُ مكاناً خالياً.. جلسْتُ..
    امتعضت النساء من وجودي!! ما بهنّ؟! أقبلت بعض النسوة مسرعات إليّ.. أرى في نظراتهنّ استنكاراً لعمل ما عملته!!! همست إحداهنّ في أذني والجميع يرتقْبنّ ردّة فعلي وكأنني لست من البشر:
    ــــ إذا سمحتي! يجب أن ترتدي حجابك على رأسك قبل الدخول؟!
    ـــ لماذا؟ هل سيدخل رجالٌ هنا مثلاً؟!
    تبادلت النظرات اليائسة مع رفيقتها ثم قالت:
    ـــ بل لأنه مجلس ذكر! والملائكة تفرّ من المجلس الذي تكون فيه امرأة غير مرتديه لغطاء الرأس! اتسعتْ حدقتاي فقلتُ بتعجب:
    ـــ وما شأن الذكر وقبوله بالحجاب؟! إن الله يذكر في أي حالٍ ووضعٍ ومكانٍ! ولا يشترط فيه الحجاب حتى يُقبل!!
    أجابت بنفاذ صبر: بل لن يستجيب الله دعائنا! ولن ينظر إلينا! والملائكة لن تحضر مجلسنا ولن ترضى عن هذا!! اعتذرتُ عن وضعه.. فيئستا مني وذهبتا خانقتين.. وعادت النساء تحدّقن بي وتتهامسْن في وجودي.. ولكني لم أعد أكترث.. لقد يئست من كل شيء.. فرضى الناس غاية لا تُدركَ.
    استمرت النسوة في الابتهالات.. فنظرتُ إليهن.. سمعتّهن يقُلن ألفاظاً غريبة:
    ـــ هو، هو، هو، الله، الله، حيّ .، حيّ .!!
    ماذا يقصدْن؟ لا أفهم ماذا يفعلن!! لقد ؟أخذ الوجد منهنّ مأخذاً عظيماً، وبلغ التفاعل بينهن مبلغاً أعظم!!
    تغير بعد ذلك المجرى.. فتناولت بعضهن الطار والدفّ والمزمار.. وأخذن ينشدْنَ المدائح والقصائد الشعرية!!
    ما هذا التغير الُمفاجىء؟ وما هذا التناقض؟ مدائح نبوية ومزامير؟!!! .. آه.. أحسستُ وكأنّ مطرقةً هوتْ على رأسي! قلت للمرأة التي تجاورني بلهجة أسفٍ لمْ تخلُ من النقد: ما مناسبة هذا الاجتماع؟
    قالت باستغراب:
    ــ إنه ذكرى لمولد النبي الشريف!!!
    سألتها بفضول: وهل هو خاص بوقت معين؟ فمولد النبي كان في شهر ربيع الأول في الثاني عشر منه!
    وهو لا يصادف اليوم!!!
    ــ آه نعم.. ولكن لا يشترط ذلك! فهو يقام عند وجود أي مناسبة من موت أو حياة أو تجدد حال..
    ِلمَ تسألين؟! ألم تحضري مولداً من قبل؟!
    قلتُ بدون أن ألتفت إليها .. متجاهلةً سؤالها:
    – وما مناسبة اليوم يا ترى ؟!!
    – لقد انتقلوا إلى هذا المنزل منذ وقتٍ قريب .. وفرحاً بالمناسبة أقاموا اليوم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف !!!
    أحسستُ في هذه الوهلة بأني وحيدة .. فليس هناك عزلةٌ أشد من عزلة الرأي ،
    ولا انفراد أقوى من انفراد العقيدة والدين .. نظرتُ إلى كفّي المعروقة .. مسحتُها ..
    آهٍ لحزنك يا قلباه .. ما أتعسك !!!

    أقبلتْ صاحبات المنزل وقدّمْنَ الطعام .. وقد دعَوْن إليه الأصدقاء والأقارب والقليل من الفقراء !!!
    فأكلْن و تلذّدْن بالطعام .. أما أنا فقد اكتفيتُ بأكل القليل من الفاكهة ..
    ما للوقت يمشي كئيباً .. بطيئاً ؟! زاد يقيني أن الذين حولي لا يشاركوني إحساسي بالاغتراب !!!
    رفعتُ رأسي نحو الحائط .. وجدتُ صوراً لطالما رأيتُها في الكثير من المنازل ..
    إنها صور أوليائهم !!! يتبركون بها !!!
    لقد نصبوها في المنازل كلها وكأنها أوثانٌ تُعبد .. ما الفائدة منها يا تُرى ؟! هل يعتقدون فيها ؟
    هل تجلب لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً ؟!! إنهم جاهلون !! غارقون في الوهم حتى الثمالة !!!

    انتهت النساء من الطعام .. فجلسْنَ للاستماع للأشعار المنشودة والترنّم بالمدائح والشمائل المحمدية
    ومعرفة النسب الشريف .. ولكن مهلاً …
    إنّ جُلّ المدائح والقصائد التي أسمعهنّ يتغنّين بها لا تخلو من ألفاظ شركية
    إنهم يطرون الرسول الكريم كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ؟! هل أخبرهم بذلك ؟!
    ولكني لن آمن العقاب ! رباه ساعدني !!

    #556033

    حضـــــــــر .. حضــــــــر ..

    وفجأة .. قامتْ النساءُ واستقبلْنَ القبلة عندما كانت الفتاة الحسناء تقرأ قصة المولد ..
    حتى إذا بلغت : ( وولدتْهُ آمنة مختوناً ) !!
    لقد قُمْنَ إجلالاً وتعظيماً لدقائق تخيلاً منهنّ وضع آمنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..
    نظرتُ إليهن .. إني خائفة .. مُرتبكة .. ماذا يحدث حولي .. ثم قالت النساء بأصواتٍ وجدانية :
    – لقد حضر ، حضر ، حضر .. أمام القبلة .. !!
    نظرتُ باستغراب وتخوف !! أين حجابي ؟! انتظرنْ ! مَنْ هذا الذي حضر ؟! أوقفنه ..
    أريد أن أرتدي حجابي .. ولكن .. أنا لا أرى شيئاً !! مَنْ الذي حضر؟!
    هل .. هل يقصدون جنياً ؟ مَنْ يقصدون ؟ هل يريْنَ أشياء لا أراها ؟! يا إلهي !!!

    ثم … أُتيَ لهن بالمجامر وطيب البخور .. فتطيبت النساء ! ثم دُرْن بكؤوس الماء والعصير فشربْنَ منه بنهم !!
    أقبلتْ إليّ بعض النسوة يركضْن وأخذْنني وقُلْنَ لي فرحات :
    – هيا معنا .. بسرعة .. لا نريد أن يفوتكِ الموقف الشريف .. بسرعة .. لقد حضر حضر …
    رأيتُ الصفقة خاسرة وأحسستُ بثقل يمشي في صدري .. فقلتُ بحسرةٍ وأنا أرافقهنّ :
    – مَنْ هو الذي حضر ؟! أهو رجلٌ آخر تُطالبْنني فيه بالكشف عن وجهي وتقبيله أيضاً ؟!
    قُلْنَ لي وكأنني قد اعتنقتُ دين اليهود أو النصارى :
    – إنه محمد صلى الله عليه وسلم !!!!!
    صُعقْتُ ونظراتي المكذّبة والمصدّقة قد آلمتني كثيراً ! عُدتُ إلى مكاني بسرعة .. وعيونُ القوم ترمقني
    أنْ كيف أتركُ فرصة كهذه وأستهين بها !!

    جئْنَ واللوم بادٍ على وجوههّنّ بعد أن انتهين من الابتهالات الجماعية و الدعوات والصراخ ..
    وبعد أن ذهبتْ روح المصطفى إلى بارئها‍!!
    – بالتأكيد أنتِ لا تحبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم !!
    أنتِ لا تريدينه أن يشفع لك يوم القيامة !!
    ستحدث لك نكباتٌ ومصائبُ لأنك استهنتِ بحضوره بيننا ولأنك رفضتِ مشاركتنا في زمن حضوره !!
    يا إلهي !
    هل ما يقلْنَهُ صحيح ؟!
    هل هن صادقات ؟ يبدو التأثر على أوجه الكثيرات منهن!!!
    تقدّمتْ إحداهنّ إليّ وقالتْ لي وكأنما تصبُّ سُمّاً زعافاً في عقلي :
    – أيتها الحمقاء المعتوهة!! لقد كنتُ مثلك أو أشد منك! وكنتُ أعتقد أن هذه خُزعبلات وتُرّهات !!!
    ولكن بعد أن منّ الله عليّ شعرتُ بحلاوة الإيمان !
    آه كم أنا سعيدة! وأتمنى لو أنني أقيم في كل يومٍ مولداً نبوياً في منزلي !!
    جرّبي ولن تندمي! وستصبحين مثلنا وأشدّ! وإنْ لم يُعجبْك الحال فامتنعي ولكنني متأكدةٌ من أنه سيعجبك !!

    يا إلهي لم أعد أحتمل! أين الصواب وأين الخطأ؟! هل يُعقل أن يكون أهلي على خطأ ؟! هل يمكن؟!
    وبدأت الشكوك تساورني! آه لقد أثّروا عليّ من كل اتجاه! وحدي أنا !
    بدأتْ أسلحتي تضعف شيئاً فشيئاً!!
    رباه .. أرجوك .. أريد أن أعود لنقائي .. أفكاري النقية.. معتقداتي وعقيدتي الصافية ..!
    سريرتي الطاهرة .. قلبي السليم .. هل يمكن ذلك ؟

    مضى الوقتُ يتلكأ حتى أوشك الليلُ أن ينتصف!! وسيطر السكون بعدها على المكان ..
    فلم أرَ وأنا مكاني إلا عيوناً قد أخذها اللوم عليّ !
    فخشخشتْ الأوراق بتأثير نسمةٍ طريةٍ باردةٍ .. معلنةً عن وقت الرحيل من هذا المنزل ..!!
    ركبْتُ في السيارة .. التقتْ نظراتي الحزينة التائهة بنظرات الزوج المتلهفة
    لمعرفة ردّة فعلي على ما سمعتُ وما رأيت .. أغمضتُ عينيّ ..
    شعرتُ بحاجتي لصدر أمي الحنون .. حتى البكاء .. أصبح عسيرا عليّ .. رباه .. اللهم اكفنيهم بما شئت ..!

    عُدْت إلى المنزل .. وقفتْ أفكاري وعاد إليها ركودها الأول ..
    أحسستُ برغبةٍ جامحةٍ في الدخول إلى مخدعي .. ولكنّ السكون المطلق الذي ران على المنزل لم يشجعني على سرعة الدخول .. فأخذتُ أنظر إلى غير هدف! أنظر إلى أي شيء!! وأنظر إلى كل شيء !
    شعرتُ بتقدم خطى الليل .. فوقفتُ بتكاسل .. وتحسستُ طريقي في الظلام حتى وصلتُ إلى فراشي ..
    واندسستُ تحت اللحاف الخفيف .. أخذتُ نفساً عميقاً .. وأنا أشعر بالوحدة ..
    كان آخر ما تذكرتُه في هذه الليلة هو اليوم الكئيب الذي عاصرتُ فيه أحداثاً ثقيلة ..
    في البحر.. في المنزل .. في المولد النبوي ..
    بقيتْ نظراتي تائهة .. وأفكاري متلاطمة حتى بانتْ خيوط الصباح الأولى ..
    ثم .. أسدلتُ أجفاني بثقلٍ شديدٍ .. فنمتُ وأنا أسمع أنيني يخترق فضاء الأحزان ..!!!

    #556034

    رحلـــــــــة مع العبــــد الصالــــــح الخضـــــــــر!!

    عند الفجر .. دقّ جرس الساعة المنبهة إعلاناً لقرب الآذان .. فتحتُ عينيّ المجهدتين ..
    أغلقتُ المنبّه .. استرخيتُ قليلاً .. ثم نهضت ..
    سمعتُ صوتاً على نافذتي .. اقتربتُ بخوف .. آه .. كان المطر ينهمر على سقف المنزل !!
    نقراتُه اللطيفة هي التي تطرق نافذي .. انشرحتُ كثيراً .. مرحباً بك أيها المطر ..
    اقتربتُ من النافذة كثيراً .. أخذتُ أتأمل المنظر من ورائها..
    ارتسمتْ على شفتيّ ابتسامةٌ عريضةٌ .. لقد أتى حتى يغسل همومي وآلامي .. مرحى .. مرحى ..
    تسلّلتُ ببطء نحو الضوء .. أشعلتُه .. أردتُ أن أوقظ الزوج للصلاة .. لم أجده !
    لم يأتِ بعد !! هذا أفضل .. هذا أفضل !! ما أسعدني !!
    توضأتُ .. صليتُ .. دعوتُ الله أن يُخرجني من هذا المكان .. أن يُنير لي درب الخير .. لأتبعه ..
    بكيتُ كثيراً ضارعة إلى الله تعالى .. إن الأمطار التي تهطل ما هي إلى قطرةٌ من أدمعي
    التي تذرف من عينيّ الباكيتين .. رحماك يا الله .. رحماك .. رحماك ..

    عُدتُ مُجدّداً إلى النافذة .. كان المطر قد توقّف عندئذٍ عن الانهمار .. فتحتُها قليلاً ..
    لم أعد أرى في الخارج إلى القطرات المتساقطة فوق السقف المنحدر لبناء المنزل..
    أو من أغصان الشجر .. ابتسمتُ مجدّداً .. ما أجمل المنظر .. !
    ثم .. أغلقتُ النافذة ببطء .. واستدرْتُ لأرفع سجّادتي .. فوجدته
    صرخْتُ من شدة الخوف .. كتمتُ أنفاسي فجأة .. غمرتني موجةٌ حارقة
    جعلتْ سعادتي تتحول إلى كآبة .. كان وجهه شاحباً .. يبدو عليه الإرهاق .. وثوبه مكمّشاً ..
    فرك يديه وهو يجلس .. ثم قال :
    – أرغب في الخروج اليوم إلى النزهة في هذا الجوّ الجميل .. أيقظتُ الجميع للاستعداد ..
    هيا استعدي أنتِ أيضاً .. نظرتُ بإمعان إلى وجهه لأرى هل هو جادٌ أم هازل .. فسألتُه :
    – حقاً ؟!! هل أنت جاد ؟ هل سنتنزهُ في هذا الجوّ الجميل ؟ حقاً ؟!!
    اعتدل في جلسته وقال بصوتٍ هادئ :
    – نعم .. سنتنزه .. ألا تريدين الخروج معنا ؟ هل تفضلين عدم الذهاب ؟!
    صرخْتُ قائلةً في فرحٍ مفاجئٍ أدهشه كثيراً :
    لا لا .. لا أريد البقاء .. سأذهب للنزهة .. كم أنا سعيدة .. أحب جوّ المطر .. هيا لنذهب .. هيا ..
    – حسناً .. استعدي .. سأنتظركم في السيارة .. لا تتأخروا ..
    وخرج .. شعرتُ بشيءٍ من النشوة تسري في عروقي ..
    آه .. أخيراً سأخرج إلى الهواء الطلق .. بعيداً عن كل شيء .. ما أسعدني .. ما أسعدني ..
    تناولت معطفي الواقي من المطر .. وكذلك معطفه .. أغلقتُ حجرتي ..
    قفزتُ السلالم قفزاً وكأنني في واحةٍ غنّاء .. رفرف قلبي من فرط الفرح ..
    منذ زمنٍ لم أخرج للطبيعة أحتضن جمالها ..
    توقفّنا في مكانٍ رائع الجمال .. كانت الأرض مُوحلةً ومُشبّعةً بالماء .. وأعواد القمح الممتلئة
    بعصارة الربيع قد خارتْ وتمددتْ على الأرض في أمواجٍ ممتدةٍ على مَدّ النظر‍!!
    خرجتُ من السيارة .. فتحتُ عينيّ باتّساع .. تلفتُّ حولي بدهشة..
    أرسلتُ ضحكةً كانت مُقيّدة ومكبّلة .. أطلقتُ لها العنان..
    شعرتُ بأني غارقةٌ في محيط نظراتهم المتوهجة !
    وفجأةً سمعتُ نفسي أقول له وأنا لا أكاد أشعر بأني بدأت الحديث:
    – هل.. هل تسمح لي بالذهاب حول هذا المكان للتنزه.. لن أبتعد..
    قال بصوتٍ لا يخلو من حِدّة:
    – ليس الآن .. اجلسي معنا.. لا تنفردي بنفسك.. نريد العودة باكراً..
    فاليوم هو ليلة الخامس عشر من شعبان!! لم أكن أتوقع مثل هذه الإجابة ..
    فأحنيتُ رأسي بأسف وقد اضطرم وجهي خجلاً وحزناً ..
    ورُحْتُ أتأمل أطراف أصابعي وأحاول تمالك نفسي ..
    ولكن ماذا يعني بليلة الخامس عشر من شعبان؟!!
    تناولتُ الإفطار وحدي .. نظروا إليّ وقد أدهشهم ما طرأ عليّ من تغيير ..
    لاحْظتُ دهشتهم بقلبٍ مُرتاب.. وأخذتُ أجمع بعض الأعواد من الأرض..
    تردّدت الأم برهة ثم قالت لي:
    – يجب أن نعود مبكرين حتى نستعد للذهاب إلى المكان الذي سيتم فيه اجتماع الناس في هذه الليلة..
    كتمتُ أنفاسي .. هذه المرة الثانية التي يؤكّدون فيها أهمية هذه الليلة!!
    يا إلهي .. ماذا سيُفاجئني اليوم أيضاً؟!..
    أومأتُ برأسي إيجاباً.. ابتسمت بهدوء.
    في تلك اللحظة.. اختلستُ النظر إلى الزوج ووالدته .. راقبتُهما في مُحاولةٍ مني لفهم المعاني
    التي ينطوي عليها حديثهما.. ولكنني لم أستطع أن أفهم شيئاً !!

    #556035

    سوى أنهم جميعاً صائمون اليوم !! لماذا؟
    قلتُ لهم بتوسّل..
    – هل أذهب الآن ؟!! لن أبتعد.. أرجوك..
    أزال عن كتفه بعض القش العالق به ثم قال:
    – اذهبي .. ولكن..
    وفتح فمه ليقول شيئاً .. ولكني انصرفتُ بسرعة .. لم أنتظر .. ركضت .. ضحكت .. بكيت ..
    اختلطت مشاعري .. رُحتُ أقفز في كل الأرجاء ..
    نظرتُ إلى الأرض الجميلة .. لقد تجمع المطر فيها .. ثم راح ينطلق في جداول صغيرة سريعة
    ويملأ كل منطقة منخفضة .. حدّقْتُ في روعة السماء !
    إنّ صفحة السماء تصفو من الغيوم التي تمزقت وتباعدتْ كتلُها تاركةً رُقعاً واسعةً
    من الصفحة الزرقاء المضيئة !
    بعضها صافٍ تماماً وبعضها لا يزال محجوباً بغلائل من السحاب الرقيق !!!
    أما الهواء فقد سكن على الأرض تماماً وشاعت فيه رائحة العشب المبلل والجذور العارية ..
    لا أعرف كم من الوقت مضى .. ساعة .. ساعتان .. أكثر .. !! لم أشعر .. أوه !! لقد ابتعدتُ كثيراً .. !!
    أين أنا ؟! بدأتُ أشعر بالخوف .. إلى أيّ اتجاه أعود !! رباه .. أين المكان .. ربّاه !!
    أين معطفي ؟ أين أضعتُه؟! .. بدأت أبحث .. وأبحث .. آه .. قطرات المطر عاودت في النزول ..
    يارب .. أوه .. معطفي هنا .. وجدته .. ارتديتُه لأتقي المطر .. ولكن أين المكان ؟ تناولتُ نظارتي ..
    مسحتُ قطرات المطر عنها بمنديلي ثم أعدتها إلى عينيّ .. رُحتُ أنظر إلى الأرض الموحلة حتى أتجنب الخوض في إحدى الحفر المتناثرة حولي .. رفعتُ بصري إلى الأفق .. ازداد انهمار المطر ..
    رفعتُ النظارة عن عينيَ ووضعتُها في جيبي ..
    رأيتُ عن بُعدٍ رجلاً يقدم تجاهي .. أسدلتُ غطائي .. رحماك يا رب ..
    إنه شيخٌ كبير .. يعمل على تنظيف المكان .. دبّ الرعب في أوصالي .. هل سيختطفني ؟!
    الويل لي .. تقدّم إليّ وسألني وقد بدتْ على وجهه آثار الزمن على هيئة خطوط عميقة تحيط بوجهه :
    – كيف جئت إلى هنا يا ابنتي ؟! المكان خطر .. هيا بسرعة الحقي بعائلتك ..
    انحدرت دموعي من شدة الخوف :
    – ولكني أضعتُ المكان .. الويل لي .. كيف أصل إليهم ؟ أرجوك ساعدني .. أرجوك ..
    – هيا اتبعيني من هذا الطريق ..
    جل اهتمامي كان مُنصباً على غضب الزوج وحنقه .. وعدتُه ألا أبتعد !! يا ويلتي ! يا ويلتي !!
    وبعد أن قطعنا مسافةً من الطريق .. رفعتُ رأسي .. وإذا بالزوج يهرول قادماً إليّ !! يا ويلتي !!
    وقف أمامي كصخرةٍ جامدة .. والشرر يتطاير من عينيه ..
    فوجدتُ نفسي أقول بسرعة وكأني أشرح له موقفي الضعيف :
    – أرجوك .. أنا .. أنا .. آسفة .. لم أقصد .. سرقني الوقت وأنا أتجول في هذا المكان ! ولكني ..
    نظر برفقٍ إلى الشيخ الكبير .. مما أثار دهشتي .. لم يغضب منه .. أشار إليّ أن أتقدمه ..
    ففعلتُ .. أقبلتُ على والدته وباقي الأسرة .. وجدتُهم حانقين .. غاضبين !! استدرْتُ لأرى الشيخ الكبير والزوج .. جاء الزوج إلى أهله .. تشاوروا .. تهامسوا .. أكرموا الشيخ إكراماً عظيماً !!!
    أغدقوا عليه العطاء .. طلبوا منه الدعاء لهم .. ولي !! تسمّرْتُ في مكاني وأنا أرقبهم !!
    ما بالهم لِمَ كل هذه الحفاوة ؟! من الجميع !!!
    ذهب الشيخ الكبير في طريقه .. أخذ ينظف ما بقي من أقذار .. وابتعد شيئاً فشيئاً حتى اختفى ..
    والجميع يرقبه .. تكاد قلوبهم أن تتبعه .. رأيتُ وجوههم في صورةٍ أخرى ..
    اختفت أمارات القسوة والسخط .. نظروا إليّ في قلق .. خاطبتني الأم قائلةً في تودّد :
    – هل تعلمين مَنْ يكون هذا ؟!!!
    ارتعشْت .. نظرتُ بوجل .. فقلتُ بصوتٍ بالكاد سمعوه :
    – مَنْ .. مَنْ يكون ؟!
    قال الزوج وهو يضع ساقاً على الأخرى .. ويتنهّد بارتياح :
    – إنه الخضر .. العبد الصالح الخضر .. الذي كان مع موسى .. بالتأكيد هو ! يا فلان بن فلان !!
    أطبقْتُ شفتيّ فوراً .. انعقد لساني من فرط الاضطراب والارتباك :
    – مَنْ ؟ مَنْ ؟ أي خضر ؟ العبد الصالح ؟!! كيف ؟! لابد أنك تمزح !!
    الخضر ؟!!! لابد أنك .. رفع يده وقاطعني :
    – هذه الأمور ليست مجالاً للهزل والمزاح ! قلتُ لك أنه الخضر .. ألم تسمعي عنه ؟!!
    ارتسم الجزعُ على وجهي فقلت:
    – ولكن .. ثم نظرتُ إلى الجميع .. كُلّهم جادّون .. فأكملتْ :
    – ولكن .. الخضر عليه السلام قد مات منذ زمنٍ بعيد .. هل تقصد أنه مازال حيّاً يُرزق ؟! لا ..
    كانت أخته تتلوى في مقعدها .. لم تصبر فقالت :
    – من غير الممكن ألا تكوني على علم بحياته !!! إنّ الخضر صاحب موسى عليه السلام
    حيٌ يُرزق للآن .. ويطوف الدنيا كلها ويتشكل في صورٍ مختلفة ..
    فقد يأتي في صورة سائلٍ مرة .. وفي صورة مريضٍ .. ينزل من جسده القيح والصديد ..
    أو في شكل شيخٍ كبير كهذا الرجل مثلاً .. فبالتأكيد هذا هو الخضر قد زارنا ..!!
    ارتعدت .. نظرتُ إلى وجوههم !! تخوفتُ .. تململتُ .. أردت أن أنطق .. لم يتركوا لي مجالاً ..
    كانت الأم تراقب تعبيرات وجهي وترى أثر كلماتهم عليّ .. فقالت بسرعة :
    – عندما يأتي الخضر بهذه الأشكال ويزور الناس فيطردونه يكون هذا دليلاً على شقاوتهم و تعاستهم ..
    أما إن رحّبوا به وعالجوه وأكرموه .. اختفى بدون أن يترك أثراً له .. وكان ذلك دليل سعادتهم !!!!
    فاحذري من طرد أي رجلٍ بهذا الشكل أو تعنيفه .. احذري .. فربما كان هو الخضر جاء لزيارتك !
    غصصتُ بريقي .. قلتُ متلعثمة من الصدمة :
    – صدقوني .. لقد مات الخضر عليه السلام ..
    قبل إرساله الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .. إنه لم يُخلّد !!
    أرسل الزوج ضحكةً جافة ساخرة وهو يقول:
    – الخضر هو الحارس في الأنهار والصحاري ويُعين كل مَنْ يضل عن الطريق إذا ناداه …
    – كيف يكون حارسا وهو ميتٌ شأنه في ذلك شأن الأموات ، لا يسمع نداء من ناداه ، ولا يجيب من دعاه ..
    ولا يهدي من ضل عن الطريق إذا استهداه .. !!!
    كشّر عن نابيه وقال :
    – إذا لم يكن ذلك صحيحا .. فكيف اهتديتِ إلى مكاننا عن طريقه ؟!!
    أيتها الحمقاء .. لقد زارك وهداكِ إلى طريقنا ومكاننا .. أفلا تعقلين ؟!
    أفلا تتفكرين ؟! عجبا لك أيتها العنيدة !!!
    – إنما هو رجلٌ قد سخره الله لي لأستدل طريقكم ليس إلا !! ولا يشترط أن ..
    تأفف .. في تلك اللحظة تلاشى جو الألفة والمودة بيني وبينهم .. وخيمتْ مكانه سحب الشك والتربص !!
    .. لم يعتقدون ذلك ؟!! هل اعتقادهم خاطئ حقا ؟! نعم .. نعم .. أنا متأكدة .. نعم ..
    قطع صوت الزوج حبل أفكاري حين سمعته ينادي من السيارة :
    – هيا .. لا نريد التأخر .. أمامنا ليلة حافلة .. فلنستعد للعودة .. المطر يتساقط بغزارة ..
    ركبنا جميعا .. ابتسمتُ في قرارة نفسي .. ازداد إحساسي بالبهجة .. كم كنتُ أهفو إلى مثل هذا اليوم
    الذي أقضيه بمفردي تماما .. بلا خوفٍ من زوجي أو أهله .. وبلا أية هموم أو متاعب ..
    ولكن .. هذه الليلة .. ماذا عساها تكون ؟! سترك ورحمتك يا رب ..

    #556038

    ليــــــلة الخامــــس عشــــر من شعبـــــان

    وصلْــنا .. كم أشعر بالإرهاق .. أتمنى أن آخذ قسطاً من الراحة .. أذّن المؤذِّن لصلاة العصر ..
    إنها فرصة .. سأصلّي .. ثم أخلد للراحة قليلاً .. صعدتُ أولى درجات السلّم ..
    استوقفني الزوج بلهجةٍ عاتبة وجادة :
    – توقفي .. لماذا لم تصومي معنا اليوم ؟ أم أنك تريدين مخالفتنا فقط !!!
    استدرْتُ نحوه بعينين أثقلهما النعاس .. ثم هززتُ كتفيّ ببراءة وقلت :
    – أصوم ؟! اليوم ؟! وأيّ مخالفةٍ تلك التي تتحدث عنها ؟
    تضايق من ردّي .. ولكني لم أفهم ما يرمي إليه !! ما به !! لماذا يوبخني على عدم الصوم اليوم ؟!!!
    ردّ قائلاً في غضبٍ مُفاجئٍ أدهشني :
    – كُلّ مَنْ يُعظِّم ليلة النصف من شعبان فإنه يصوم في يوم الرابع عشر منه ..إلا أنتِ!!
    ألا تشعرين بنوعٍ من المخالفة ؟!!!
    قلتُ وقد فهمتُ غرضه الحقيقي :
    – ولِمَ هذا اليوم بالذات عن بقية الأيام ؟ سأصوم غداً إن شاء الله .. أو …
    قال بعنف :
    – لا أريد أن يعرف أحدٌ من الناس أنك لم تصومي اليوم هل فهمتي ؟!
    ستذهبين معنا اليوم للإفطار وكأنك صائمة ! ولا تُفصحي لأحدٍ عن إفطارك مُطلقاً ..
    لا نريد أن يلوكنا الناس بألسنتهم .. مفهوم !! لقد كثرت مُخالفاتك ؟ وكثرتْ امتناعاتك !
    إلى متى ؟! إلى متى ؟! .. لقد ….
    قلتُ له لمّا رأيتُ غضبه يزداد تأججاً بصوتٍ خافتٍ وهادئ :
    – أرجوك .. كفى شجاراً .. أرجوك .. ماذا دهاك ؟!! سأفعل ما تأمرني به ..
    لن يعرف إنسٌ أو جنٌ بإفطاري .. ولكن أرجوك .. أريد أن أعيش بسلام .. لا تغضب ..
    ولا تجرحني .. أكثر من ذلك .. كفى .. لك ما تريد .. سأكون جاهزة خلال عشر دقائق .. ولكن أهدأ ..
    واتركني أهدأ أنا أيضاً .. أتوسل إليك ..
    – حسناً .. هيا اصعدي ..
    تنهّدتُ بارتياح عندما لاحظْتُ أن البرود يشعُّ من صوته بعد العاصفة .. لقد اطمأننتُ أخيراً ..
    عرفتُ كيف أسكبُ على غضبه الجامح ماءً بارداً .. أنا لستُ نادمةً على تهدئته !
    لأن رجلاً كهذا كفيلٌ بأن يُخرجني عن طوري من فرط القلق والسأم ..
    تناولتُ معطفي الذي سقط من يدي من دون وعيٍ مني .. صعدتُ السلّم قفزاً ..
    آه .. كم أنا متعبة .. متعبة .. صليتُ العصر.. لم أجادل في ذهابي ! لن يسمح لي بالبقاء في المنزل ..
    لا أريد أن أثير غضبه أو أن أتعب قلبي ! سأذهب .. سأذهب ..
    أعدْتُ المشط وأدوات التجميل في حقيبتي .. ارتديت ملابسي .. وحذائي .. لبستُ حجابي ..
    ركبْنا معاً في السيارة وانسابت منحرفةً إلى طريقها القديم ..
    وازداد وجه السماء تلبداً .. أطللتُ من النافذة .. حيث رأيتُ الظلام قد بدأ ينشر أجنحته في صفحة السماء ..

    دخلْـنا إلى مكان الاحتفال بليلة الخامس عشر من شعبان .. الجميع صائمات .. وصائمون !! ..
    وهذه موائد قد أعدّتْ عند أكثر الناس تقوىً وإيماناً !!!!
    اجتمعت النسوةُ حول الطعام .. أجلستْني والدةُ زوجي بجانبها ..
    هل هذا الطعام من حلالٍ أم من حرام ؟! مجموعةٌ من النساء مازالت تردّد ابتهالاتها و تسبيحاتها بشكل جماعيّ ..
    ويقرأن القرآن أيضاً بصوتٍ واحدٍ .. لقد شحب وجهي كثيراً .. تغيّرت حالي كثيراً ..
    كثيرات يسألنني عن سبب هذا الشحوب وهذا الذبول .. فتجيب والدة الزوج بسرعة :
    – تعلمون أنها مازالت عروساً .. إنها لم تبلغ الثلاثة أشهر من زواجها بعد ..
    لذلك هي لا تأكل ولا تنامٌ جيداً .. مازالت الحياة الزوجية جديدةً عليها .. نعم .. فقط .. هذا هو السبب ..
    انظر إليها بعينين زائغتين .. أومئ للنساء بأن هذا هو السبب فقط .. فقط .. فقط !!!!

    أذّن المؤذِّن لصلاة المغرب .. تناولتْ النساء إفطارهن .. تصنعتُ التذوق ..
    أخاف أن يكون الطعام حراماً .. رباه .. أنا مُكرهة ! أخشى مكرهم .. ينظرون إليّ ..
    إلى العروس التي ذبلتْ بعد زواجها .. كُلي .. ما بكِ ؟! .. فأصطنع الأكل وأشرب كميات الماء ..
    هل هذا الماء يحوي شيئاً ما أيضأً ؟ رباه ما العمل ؟!
    انتهينا .. تقدمَتْ إحدى النساء الصالحات !!!!! تعظ وتذكّر بفضل هذا اليوم وبفضل صيامه وقيامه !!
    وبفضل صلاته وذكره !!! ثم .. أمرتْ النساء بفتح المصاحف على سورة يس .. وبدأن جميعاً بصوتٍ واحدٍ بقراءتها .. حتى إذا انتهيْنَ منها .. كرّرْنَ قراءتها مرةً ثانية فثالثة !!! واكتفيْنَ !!
    ثم قالت المرأة بانفعال :
    – والآن ادعين الله بأن يمحو آجالكُنّ السابقة .. ويثبت الآجال الجديدة بعد قراءة يس ثلاث مراتٍ ..
    ولتطمئنوا .. فلن تموت إحداكُنّ هذه السنة ما دامت قرأت معنا سورة يس .. ثلاث مرات ..
    والآن سوف يوزّع الله عليكم الأرزاق الجديدة .. والآجال الجديدة ..
    ويمحو الآجال القديمة التي كتب الله فيها بموت امرأةٍ منكنّ في هذه السنة !!!!

    رباه .. أستغفر الله العظيم .. وكيف يضمنَّ عدم موتهنّ في هذه السنة ؟! ..
    رأيتُ الارتياح بادياً على وجوههنَ لقد وثقْنَ بعدم موتهنّ خلال العام ؟!!! أيّ عقولٍ يملكن ؟!!!

    أضافت تلك المرأة في قولها وهي تثبّت نظارتها السميكة على عينيها :
    – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا عليّ ، مَنْ صلّى مائة ركعةٍ ليلة النصف من شعبان يقرأ في ركعة بفاتحة الكتاب وقُلْ هو الله أحد عشر مراتٍ إلا قضى له كل حاجة .. ” إلخ
    تعالتْ صيحات النسوة :
    – يا فلان بن فلان .. يا فلان بن فلان .. !!
    آه .. بدأ الهزل وأوشك الجدُّ أن يختفي ! إنهن يستنجدن ويستغثن !! رباه .. أخرجني من بينهنّ يا رب !!
    ثم أكملتْ المرأة في ابتسامة عريضة :
    – كلنا نعلم .. أن هذه الليلة من أعظم الليالي المباركات وفضلها جدُّ عظيم ..
    وسبب تفضيلها على باقي الليالي ..
    هو أنها المقصودة في القرآن .. ( فيها يُفرق كل أمر حكيم ).. في سورة الدخان .. لذلك يُستحب في ليلة النصف من شعبان العبادة والذكر والقيام وقراءة القرآن وصيام يوم أربعة عشر منه .
    صرخْتُ بالمرأة بدون وعيٍ مني .. وقلتُ لها وقد خيّم السكون على الجالسات :
    – مهلاً .. مهلاً .. هناك لَبْسٌ في الأمر .. المقصود بهذه الآية هي ليلة القدر في رمضان ..
    وليست ليلة النصف من شعبان !!
    رأيتُ المرأة تطرف بعينيها و يضطرم وجهها وترتبك فجأةً .. فلا تُحير جواباً .. نظرتُ إلى والدة الزوج ..
    فشعرتُ كأن سهماً قاتلاً أرداها قتيلةً وقد اخترق صدرها حين رأتني أعارضُ أمرهم العظيم ..
    بدأ الهمس .. نظرتْ المرأة إليّ بنظراتٍ مُحرقة .. ساخطة .. متحدية ..
    ابتعدتْ النساء اللاتي بجانبي شيئاً فشيئاً !! هل كفرت ؟!!!
    توقفتْ المرأة عن الحديث .. انعقد لسانها .. تفاجأتْ بوجودي فيما بينهم !!
    وقفتُ وأنا أرى حقدهنّ ونظراتهن المغرضة ! وقلتُ بصوتٍ مسموع :
    – استغفر الله العظيم .. !
    ثم .. مضيتُ بسرعة نحو دورة المياه .. كنتُ واثقةً بأني تركتُ تلك المرأة ومَنْ معها
    في حالة يُرثى لها من شدة الغيظ .. ولكن يا ويلتي من ذاك الزوج الذي لا يفتأ ينهرني ويعتدي عليّ بالتجريح والضرب .. بدأ الخوف يتشبّث بأجزائي .. وجدتُ حجرةً فارغة .. مكثتُ فيها .. وحدي ..
    الكل .. يحقد عليّ ..
    فكرْتُ ملياً .. ما الذي يجبرني على البقاء أكثر ؟!! سأرحل .. ها أنا أشعر مرة أخرى بهذا السأم العميق
    الذي طالما أثقل عليّ بسبب هذه الحياة الرتيبة المخيفة معه .. ومعهم !!
    لَشَدَّ ما تهفو نفسي إلى لونٍ آخر من الحياة .. حياةٌ يملأها الإيمان والصدق .. والراحة والطمأنينة ..
    بذكر الله وبالصلاة .. على وجهها الصحيح .. ولكن .. كيف ؟! كيف ؟! كيف ؟!!!

    سمعتُ النساء يُصلين المائة ركعة ! يا رب .. أخرجني من هنا برحمتك ..
    اللهم ألهمني الصبر والسلوان .. تحسستُ وجهي بيدي .. آثار الشحوب قد ظهرت عليه ..
    لقد ارتسمتْ عليّ سماتٌ تنمّ عن أني سأفقد شبابي قبل الأوان ..
    هم السبب في تعاستي وذبولي .. اللهم خلصني منهم يا رحيم ..

    #556040

    عقــــــــاب على الحـــــــق !

    في حوالي التاسعة خرجنا من المنزل .. الأم حانقةٌ جداً .. لا تكلمني .. لا تنظر إليّ ..
    لقد لاقت من النساء التوبيخ والتعنيف على تكذيبي لبدعتهم ..
    أتى ابنها الأصغر ليستقلنا إلى المنزل .. الحمد لله ..
    دخلتُ مباشرةً إلى المطبخ .. أما الأم فقد قبعتْ بانتظار زوجي في الصالة .. هل ستخبره ؟! بالتأكيد ..
    إنها تكاد أن تنفجر.. ولكني لم أخطئ .. ليس من العيب قول الحق !!!

    سمعتُ صوت الزوج وقد بدأ بالعلوّ .. اختلستُ النظر إليه فوجدتُ أمه تصرخ وتشكو مني ثم .. بكت !
    أرعَدَ صوتُ الزوج بالانفعال وهو يدخل إلى المطبخ ..!
    – أين أنتِ ؟ أين أنت ؟!
    صرختُ بخوفٍ وأوقعتُ كأس الماء في الأرض فتحطم ..
    أمسك بشعري بقوة ولكمني لكمةً ثم أتبعها بلطمة .. وهو يصرخ :
    – أيتها الضالة .. إلى متى ؟! لماذا تعيثين بيننا بالفساد ؟! لماذا تحرجين أمي وتحرجيننا أمام الناس ؟
    تباً لكِ .. لماذا تفعلين ذلك ؟! لن ينفعك الكفرة ! أغربي عن وجهي .. أغربي ..
    بدأ الانهيار على تصرفاتي .. صحتُ من أعماق قلبي .. تلوّيت من شدة الألم :
    – أرجوك .. كفى .. أرجوك .. إنك تؤلمني .. آه .. اتركني .. أتوسل إليك .. ارحمني ..
    وقفلْتُ عائدةً إلى حجرتي .. كي ألوذ بها من غضبهم .. فاستوقفني عند باب المطبخ صارخاً :
    – قفي أيتها المتمردة .. قفي .. لا تتحركي ..
    وقفتُ مفتوحة الفم والدماء تسيلُ على وجهي .. وصدرتْ عني أصواتُ أنينٍ وعويلٍ خافتة .. ضعيفة ..
    وأنا أتراجع بفزعٍ وخوفٍ من أنْ يزداد ضربه ..
    كانتْ علامات القسوة والسخط والتحدي واضحةً عليه :
    – اذهبي الآن واعتذري للجميع على ما سببته لهم من مضايقاتٍ و إحراجات .. هيا ..
    والويل لكِ إن وُجهتْ لي شكوى بسببك .. الويل لك ..
    ركضتُ إلى والدته ووقعتُ أرضا لتعثري بالسجادة .. نهضتُ .. اختلطتْ أدمعي مع دمي مسحتها بيدي ..
    استعدتُ أنفاسي الممزقة وأنا أقول :
    – أعتذر لكم جميعا .. أعتذر .. أعتذر .. أرجوكم .. أريد الذهاب إلى أبي وأمي .. أريد الذهاب ..
    خالتي.. أرجوكِ .. أقنعيه بذلك .. أنا لا أصلح للعيش هنا .. أرجوكِ .. خذوا كل ما تريدون ..
    لا أستطيع الاستمرار .. فقط اتركوني أرحل ..
    ثم توجهتُ إليه باكية :
    – أرجوك .. ارحمني .. لا أستطيع العيش هنا .. أتوسل إليك ..
    ترددتْ أنفاسه بصوت مسموع .. ونظر إليّ بعينين ناريتين وقال :
    – لن تذهبي .. لن تذهبي .. ستبقين معي إلى آخر حياتي .. هل تفهمين .. لن أدعك تذهبين …
    أحسستُ بخيبة أملٍ شديدة .. فتح باب المنزل .. وأغلقه بقوة .. تحطمتْ مشاعري .. توجهتُ نحو غرفتي ..
    مؤنستي .. الصدر الحنون .. جفت الدماء التي كانت تسيل على وجهي .. غسلتُ ما علق به من الدم والدمع ..
    توضأتُ .. توجهتُ إلى الله .. بأن الظلم قد بلغ حدا عظيما .. فلا مجال ..
    اللهم قد تسلط عليّ من لا يخافك فيّ ولا يرحمني .. وأنا أدعو الله من أعماقي دعوة مظلوم .. حتى جن الليل ..
    فتوسدتُ سجادتي ونمت مكاني .. نوما عميقا .. عميقا ..

    #556064
    أبوغسان
    مشارك

    شكرا لكي على القصه الرائعه

    لكنها طويله قليلا

    #556132
    اسمر ملاك
    مشارك

    هل اقول ان قصتك رائعة سابخسها حقها بل سابخسك انت حقك . اسلوب سلس . افكار منتظمة. ربط محكم. حبكة محكمة مسيطر عليها من خلال الافكار المتسلسلة بانتظام. لايمكن ان تكون هذه محاولة لمبتداة. امامك شوط ااخر لن يكون طويلا فانت الان في القمة. انا انتظر الشهرة على مستوى العالم العربي. يمكنك ذلك. فالموضوع والطريقة التي اتبعتها في تحليله بغض النظر عن تموقعك. كل شىء يوحي لي بانني امام مبدعة فريدة من نوعها. في وطننا العربي .ثقي بان قصتك ان كانت رائعة فانت اروع. ولك مني اجمل هدية

    #556367

    موضوع رائع وشكرا تستحق كل الحب والتقدير

    لاتجرح من هو مجروح انقذه قبل ان يكون مذبوح

مشاهدة 13 مشاركة - 1 إلى 13 (من مجموع 13)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.

يستخدم موقع مجالسنا ملفات تعريف الارتباط الكوكيز لتحسين تجربتك في التصفح. سنفترض أنك موافق على هذا الإجراء، وفي حالة إنك لا ترغب في الوصول إلى تلك البيانات ، يمكنك إلغاء الاشتراك وترك الموقع فوراً . موافق إقرأ المزيد