الرئيسية › منتديات › مجلس الثقافة الأدبية والشعر › أدونيس
- This topic has 6 ردود, مشارك واحد, and was last updated قبل 24 سنة، 4 أشهر by
خالد.
-
الكاتبالمشاركات
-
2 سبتمبر، 2001 الساعة 7:09 م #341184
خالد
مشاركالحلقة الثانية من سيرة الشاعر الكبير أدونيس طردوني.. فبكيت، ولكني سأقرأ قصيدتي للرئيس
حاوره في باريس: مارغريت أوبانك وصموئيل شمعون
_________________
كان زعيم العشيرة التي أنتمي اليها، متسلطاً عليها، كأنها ملكه الخاص عدت لأرى الأب الذي مات لكن، أين هذه القرية الآن؟ حين عدتُ اليها، بعد خمسين عاماً، شعرت كأنني أعود الى نوع من الموتِ، محمول في ماء اللغة. شعرتُ كأنني صاعدٌ على جَبلٍ من الريح.
وما أتحدث عنه هنا ليس، اذن، إلا دخاناً لا موقدَ له، وضَيّعَ ناره الأمّ. لا مادة تُمسك ببصري: هل يكفي أن أتَنوّرَها ببصيرتي؟ صحيح، بقيت من هذه المادة أسماؤها- وليست الأسماء إلا أصداءً، وأخيلة، وتوهمات. وهل يُجدي أن نكتبَ التوهّم؟
أم لعلّي، في عودتي الى القرية، عدت لكي أرى الأبَ الذي مات، دون أن أراه، دون أن أحضر مأتمه، وأشيّعه الى داره الأخيرة- لكي أراه ظِلاًّ لا يكاد أن يرتسم، يتنقل على الدروب اياها، تحت الأشجار نفسها، أو ما تبقى منها. بين الكتب التي كان يختارها لي، ويختزنها. على أوراقها التي تكسوها أنفاسه، وأنفاس الذين خَطّوها.
أم أعود لكي أتفحص، شأن كثيرين غيري، ما نصيب الواقع، حقاً، في الحياة، وما نصيب الذاكرة، وما نصيبُ التخيّل؟أتعجب مِمّن يزعمُ أنه يعرف نفسه؟
أم لكي أستعيد من جديد، توهّماً، جَريان الزمن الذي يفصلني عن مكان ولادتي؟ هل لكي أقارنُ بين قسمات وجهي وتجاعيد جسدي، وبين قَسَمات المكانِ وتجاعيد الوقت؟ هل لكي أستبقَ موتي وأراه عياناً عِبْر جريان هذا الزمان، في الأشياء التي عرفتها طفولتي والتي تغيرت- ولم تعد هي هِي؟ هل لكي أواجه موتي، مسبقاً؟ أو لكي أرى تلك النقطة الغائمة، الهائمة التي تفصلُ بين الحياة والموت، وتصل بينهما في اللحظة نفسها؟
لكن، لماذا أشعر أن المكانَ الذي ولدتُ فيه ليس مكاناً جغرافياً؟ لماذا أشعر أنه رَحِمٌ لُغويّةٌ؟ لماذا أشعر كأنني أبتكر مكانَ ولادتي، كما أبتكر قصيدتي؟
والقصيدة لا تكتمل. كذلك المكانُ الذي ولد فيه الانسان: انه هو أيضاً لا يكتمل.
هَلْ أفاجئ، أو أصدم أحداً، ان قلت: أتعجب مِمّن يزعمُ أنه يعرف نفسه؟ كيف أعرف نفسي، فيما تبدو لي كمثل الأثير، أو كمثل خَيطٍ في غَزْلِ الشمس، أو كمثل الهواء- سائِحاً في الجهات كلّها؟ كلّما خُيّل اليّ انني اقتربُ منها، أكتشفُ أنني أبتعد. وأعرف أنها ليست سراباً. انها كمثل ضوءٍ يُسْلمكَ، فيما تَصِلُ اليه، الى ضوء آخر يسلمك هو نفسه الى آخر. الى ما لا ينتهي.
وكل ما كتبته ليس، في ظنّي، إلا بَحْثاً عنها: بحثاً، وليس تعبيراً عنها. كنت أترصدها، أستقصيها، أكمنُ لها. وكانت تُفْلِتُ دائماً.
كأن نفسي، كأن هويتي هي هذا البحثُ، أبداً.قراءة الشعر العربي القديم …. للضيوف
أذكر أيضاً قراءة الشعر العربي القديم، بعناية أبي وبسهره على تربيتي.
كل ليلةٍ قراءة. للشعر وحده.
يَحضر المتنبي (كان الأكثر حضوراً). يحضر أبو تمام، البحتري. الشريف الرضي. يحضر امرؤ القيس. المعرّي- لكن، نادراً. ربما لأنه كان “حكيماً”، لا شاعراً، كما تعلّم تقاليد التذوق، وكما يقول العارفون بشعرنا القديم.
قراءة بصوتٍ عال وأمام ضيوفٍ يحبّون السّماعَ، وهم أنفسهم شعراء. يُصغون الى صوتك باهتمام، كأنهم يمتحنون ويقوّمون. يُصغون الى لغتك- نطقاً، وتجويداً. يطربون غالباً. لم تكن تقرأ برأسك وحده. كنت تقرأ بقلبك، بحواسك، بجسدك كلّه.
بعد السَّماع، يأتي امتحان الصّرف والنحو. أَّعرب هذه الكلمة. هذا البيت. واذكر وجوهَ الخِلاف، هنا أو هنالك.
ثم يأتي امتحان المعنى. ما معنى هذا البيت؟ هل أخذه الشاعر، أم ابتكره؟ ما المعاني الخاصة به في هذه القصيدة، وحده، دون غيره؟
كل ذلك في جلسةٍ بعد العشاء، في البيت الذي ولدت فيه، والذي يتكوّن من غرفة واحدة. في ضوء قنديلٍ شاحب يغذّيه زيت النّفط، الذي حلّ محلَّ زيت الزيتون.كل ليلة، تقريباً، تتكرر القراءة. مسرحٌ مفتوح يكاد أن يحاذيَ ذلك المسرحَ الأول في رأس شمرا، قرب اللاذقية، حيث ولدت الأبجدية.
وكانت الكتب قليلة. وكانت غالباً تُستعار. وغالباً، لا تُرَدّ. كان من يملك في القرية كتاباً يشعر انه يمتلك ما هو أكبر من القرية. وكان مقامه في نظر الفلاحين يكبر ويعلو.
الشعر، سمعتَه أو قرأته أو كتبته، سفَر. يوسّع العالمَ-خارجاً، وداخلاً. خارجاً- تتوسَع القرية فتحاذي تخومها تخوم البلد الذي نشأ فيه الشاعر. داخلاً- تتسع حدود الحلم والخيال والمعرفة. هكذا كان يؤكد القرويون الذين يمضون سهراتهم مع الشّعر.– “غداً أسافر لزيارة الأصدقاء في قرية (يسميها). أو في قريتين (يسميهما). هل تأتي معي؟ تقرأ لهم شعراً. سوف يسرون بك، ويحبونك”.
وتكون القرية، غالباً، بعيدة عليّ- أنا الطفل الذي لم يكد يتجاوز العاشرة. لكن، أستيقظ مع أبي صباحاً. نفطر خبزاً وزيتوناً، ونمضي. يسير أمامي. يضع عُكّازه وراء ظهره، ويشبك به ذراعيه. وإذ أتخيله الآن، يبدو لي في هيئة شخصٍ مصلوب. أتعثر، ألتفتُ يميناً، شمالاً، ورائي. أنظر الى السماء. ألْهو، أحيانا، وأتخلّف عنه قليلاً. يلتفتُ ليتفقدني، ويقف ضاحكاً:
– ٍتعبتَ؟”
بلى، يولد الانسان أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان.
ولادته الأولى من أبويه عَملُ الطبيعة. لا اختيار فيه. وربما بَدَوتُ مغالياً اذا قلت انني، منذ طفولتي، كنت مسكوناً بشعورٍ غامض أن مكان ولادتي الأولى ليست مكانا لكي أنمو فيه، بل لكي أنطلق منه. شعورٍ يقول لي: لن تجد نفسك إلا في مكانٍ آخر، في أمكنة أخرى. كأن الانسان لا يُصبح نفسه إلا بالخروج منها. كأن تاريخ الانسان هو تاريخ الخروج من نفسه.
لكن، كيف أخرج، وأين؟الطفل الذي قرأ قصيدته أمام أول رئيس للجمهورية
لا أعرف كيف خطر لي أن أحلمَ حُلْمَ يقظة، أرسمُ فيه الطريق الى دخول المدرسة. قلت: الرئيس الأول للجمهورية الأولى لسورية بعد الاستقلال، سيزور منطقة اللاذقية، ضمن برنامج زيارته للمناطق السورية. سأكتب له قصيدة ألقيها أمامه مرحبّاً. وسوف تعجبه. واذن سوف يطلب أن يراني. وسوف يسألني عمّا أريد. وسأجيبه: أريد أن أتعلّم. وسوف يعمل على تحقيق هذه الارادة.
وهكذا تمّ حرفياً.
أول حلم يتحقق. كنت آنذاك في الثالثة عشرة من عمري. ومن ذلك اليوم، أحبّ رقم 13 .المطر.
كان ينهمرُ كأنه يصعد من الأرض السّوداء الموحلة، أكثر مما يهبط من الغيم. جسدي تحته يرتعش كمثل عصفور لا يَجد مأوى. وتَنْجبلُ قدماي بذلك الوحل الأسود. وتكاد قامتي أن تتحول الى عمودٍ راسخٍ في الأرض ، لا تستطيع أن تتحرك. قدماي شبه حافيتين. كتفاي تنوءان. وثيابي غيومٌ سوداء تَسيل مطراً.
شَجَرٌ ، والرياح تمارس عُنفها على أعناقه. وكان الشَجَرُ ينحني لهذه الرياح، ويظلّ عالياً.
كان زعيم العشيرة التي أنتمي اليها، متسلطاً عليها، كأنها ملكه الخاص. يقرّب هذا ويُبعد ذاك. يجازي ذلك أو يُثيبه، وينتقم من هذا أو يعفو عنه. وكان أبي على طرفي نقيضٍ معه. لم يخضع له قطّ. وظلّ حريصاً على أن يبقى بعيدا عنه. غير أنه دفع الثمن غالياً غالياً.
وكان هذا الزعيم قد أعدّ استقبالاً، قرب قصره، في دوير الخطيب، على الطريق العامة، احتفاءً بالرئيس الأول للجمهورية الأولى في سورية، شكري القوتلي، بعد زوال الانتداب، ونيل الاستقلال.
رفض أبي أن يحضر هذا الاستقبال، امعاناً منه في رفض هذا الزعيم. وكنت أنا قررت حضوره. لم أسْتَشِرْ أبي، بالمعنى الدقيق، وانما أعلمته، وقرأت له القصيدة التي كتبتها. أعجب بها ولم يمنعني- ربما احتراما منه لرغبةٍ أحسَّ أنها قوية عندي، تنفيذاً لفكرةٍ خَطرت لي، وأخبرته بها.
– “وفقك الله”، هذا كل ما قاله لي، وهو ينظر اليّ أترك البيت، شبه حافٍ، بالقنباز وبقية الزيّ القرويّ، وأنطلق تحت غيم كثيف أسود يكاد أن يلامس رؤوس الشّجر.
كان آلاف الناس يُصطفون على جانبي الطريق. ولا أذكر كيف عرف زعيم العشيرة بأنني آتٍ لألقي قصيدةً، تحيةً لرئيس الجمهورية. وهو خبرٌ سرى بسرعةٍ وشاع بين الحضور. أذكر وجوهاً: كان في بعضها شيءٌ من الفرح، وفي بعضها شيءٌ من عدم الاكتراث، وفي بعضها شيءٌ من الغضب والرفض.– “هو ابنه، اذن؟ اطردوه. لا أريد أن يبقى هنا. لا أريد أن أراه”، أخذ هذا الزعيم يردد هذه العبارات على حاشيته، بلهجةٍ جادةٍ، غاضبة.
طردوني. بكيت. ماذا أفعل؟ هل أعود الى القرية؟ كلا. سأتابع، وأحاول تحقيق ما صَمّمت عليه. أذهب، اذن، الى مدينة جبلة القريبة. سأصل اليها قبل أن ينتهي الاحتفال هنا. وفي جبلة، سأحظى دون شكٍّ بمن يساعدني. وأقرأ القصيدة.
الى جبلة، مَشياً. عبر الحقول، وكان معظمها حديث الحراثة، لهذا كان المطر والوحل حليفين ضدّ قدمي، وضد سُرعة الوصول، خوفاً من أن يفوتني الوقت.
وصلت. ولم أكن أقطر عرقاً، بل مطراً. أين أذهب. من أرى؟ لا أعرف أحداً.قلبي على بلدي انفطر … وقلب بلدي علي حجر
5 سبتمبر، 2001 الساعة 1:48 ص #341617خالد
مشاركالحلقة الثالثة من سيرة الشاعر الكبير أدونيس:
لماذا أخذ الموت مبكرا أختي الجميلة؟
أجرى الحوار في باريس: مارغريت أوبانك وصموئيل شمعون
_______________الشاعر الكبير أدونيس
حين خبئت القصيدة في صدري
من اللافتات التي تملأ ساحة المدينة، عرفت ان للبلدية شأناً في اعداد الاستقبال. اذن، أذهب وأرى رئيس البلدية، وأخبره، وأطلب أن أقرأ قصيدتي لرئيس الجمهورية. وكان يرأسها آنذاك، ياسين علي أديب.
– ماذا تريد يا ابني؟
سألني رئيس البلدية، بنوع من الشفقة والاستغراب، وهو ينظر اليّ، مبللاً، شبه حاف، أرتعش- لكن دون أن يفارق البريقُ عينيّ.
– أريد أن ألقي قصيدةً أحيي بها رئيس جمهوريتنا.
صمتَ. شعرت ان استغرابه زاد. شعرت كأنه يتساءل في ذات نفسه: كيف لهذا الطفل، وهو في هذه الهيئة، أن يلقي قصيدة أمام رئيس الجمهورية، في حشد حافل؟
تبسّم. قال بلطف:
– طيب، اقرأها لي.
تناولت القصيدة من صدري حيث أخبأتها حفاظاً عليها من المطر، وأخذت أقرؤها.
أصغى، بانتباه قليلٍ. بانتباهٍ. بحماسة. بفرح. ولم أكد أنهيها حتى قال بغبطة كبيرة:
– نعم سوف تلقيها.
اتصل هاتفياً بشخص عرفت فيما بعد انه القائمقام عبد الله الياس. أرسلني الى مكتبه في السراي. دخلت المكتب. كان بَللي قد خفّ، وعاد الى وجهي اشراقه الطفولي. المكتب قاعة كبيرة كانت تمتلئ بالموظفين الكبار في السّراي. صمت ودهشة. ثم قال لي القائمقام:
– “اقرأ القصيدة لنرى”.
قرأتها. استحسانٌ واعجاب. لكن حيرةٌ كذلك في أمر هذا الطفل.
– “نعم ستلقيها”، قال القائمقام، بفرحٍ أقل من فرح رئيس البلدية. ثم تابع:
– “اذهب الآن. انتظر في ساحة السراي. أمام المدخل مباشرة. عندما يجيء دورك في الالقاء، سنناديك”.
أريد أن أدخل المدرسة يا سيدي الرئيس
لم أصدِّق. ان صحّ الأمر فسوف تكون الاعجوبة هذه المرة، اعجوبة واقع، لا أعجوبة خيال. سوف يكون التخيّل هو نفسه الواقع.
ساحة السراي. الناس صفوفٌ متراصة على مدى النظر. لافتاتٌ، أعلامٌ، صور: سقْفٌ عائم. في وسط الساحة، مقابل الشرفة التي سيطل منها رئيس الجمهورية، ليرد على تحية مستقبليه ويخطب فيهم، نُصب منبرٌ خاصٌ للخطباء.
اذن، سوف أصعد هذا المنبر. سوف يملأ صوتي، أنا أيضاً، هذه الساحة. ويُصغي اليه رئيس الجمهورية نفسه. وبعد أن أنهي قراءة القصيدة، سوف يناديني- أنا القروي الطفل، لكي أقابله- هو رئيس المدن والقرى في البلاد كلها. وسوف يسألني: ” ماذا تريد، يا بني، ماذا يمكن ان نقدم لك؟” وسوف أجيبه بعبارة وحيدةٍ واحدة: ” أريد أن أدخل المدرسة، أريد أن أتعلم”.
هو ذا موكب الرئيس. أمواجٌ من البشر تحيط به، منشدة هاتفة. يصعد الى السراي. يطل من الشرفة. تصفيق. هتافات. صمت. تبدأ خطب الترحيب. الخطيب الأول. الثاني. الثالث. وآخرون نسيت عددهم وأسماءهم. وأنا؟ أهملوني، اذن؟ غيّروا رأيهم. أكاد أن أنفجر، لكن حنقاً وغيظاً، هذه المرة. والناس، الآن، ينتظرون خطاب الرئيس. في هذه اللحظة، والرئيس يهم بالقاء خطابه، سمعتُ من يقول لي، غاضباً: “أهملوك. انه القائمقام” وشتمه. ولم أعد أذكر عبارة الشتيمة. أمسك بيدي، وصرخ بأعلى صوته، فيما كان الرئيس يبدأ خطابه: “يا فخامة الرئيس، هذا طفلٌ جاء من أعالي الجبال، لكي ينقل الى فخامتكم مشاعر أهل الجبل وعواطفهم. نرجوك أن تُصغي اليه”. توقف رئيس الجمهورية، وأشار بالقبول. حضنني هذا الشخص، وكان رئيساً لدائرة الأحوال الشخصية في جبلة، وكان اسمها “دائرة النفوس”، وحملني، ووضعني على المنبر، وعرفت فيما بعد ان اسمه عبد الرزاق المحمود.
حضنني الرئيس بحنانٍ. قَبّلت يده
أحسست كأنني رئيس آخر. وبهذا الاحساس، قرأتُ القصيدة. كانت مفاجأة ضخمة. وصفق الناس اعجاباً. وازداد اعجابهم حين أخذ الرئيس بيتاً من القصيدة، استشهد به، وبنى عليه جزءا من خطابه.
وعندما أنهى الرئيس خطابه، أخذ الناس يتدافعون حولي، فيما كان صوتٌ يناديني: يريد الرئيس أن يراك.
صعدت الى السراي. حضنني الرئيس بحنانٍ. قَبّلت يده.
– “ماذا يمكن أن نقدم لك؟ ماذا تريد؟”
– “أريد أن أدخل المدرسة. أريد أن أتعلم”.
– “سنفعل ذلك. اطمئن”.
بعد حوالي اسبوعين جاء الدّرَك يبلغونني: ” أنت مطلوبٌ لكي تذهب الى طرطوس، وتدخل المدرسة”.
السيارة التي نقلتني الى المدينة، طرطوس، تغص بركابها. كبيرة، كشاحنة كبيرة. كان السفر في السيارات الصغيرة امتيازا لذوي المال والجاه.
كان عليّ، في ذلك النهار، أن أستيقظ باكراً، ليكون لديّ الوقت كي أقطع الطريق الى جبلة، سيراً على قدميّ، ولكي لا تفوتني السيارة التي تنطلق منها في اتجاه طرطوس: لم يكن لديّ بزّة مَدنية. سافرت بلباس القرية: القنباز الطويل المقلّم، السروال الأبيض الطويل، والسترة الفضفاضة التي لم تُهيأ لي أساساً. ولا أذكر أنني أخذت معي شيئاً. أو لعلّ ما أخذته لا يجد له مكاناً في ذاكرتي.
سفري الى طرطوس، مثل الخروجٌ من القبر
طرطوس- لم أكن أحلم، وهي التي تبعد عن قريتنا حوالي خمسين كيلومتراً، أن أراها أبداً. كنت أشعر أن القرية التي ولدت فيها، مقامي الأخير، وتخومي القصوى. وكانت المدينة، بالنسبة اليّ، فكرة بعيدة جدا، مُلكاً لأشخاص بعيدين، هيهات أن أتمكن من بلوغها.
الطريق الى طرطوس.
كنت أشعر أن سفري اليها كأنه خروجٌ من القبر، ولادة أو تكملة لولادتي. والسفر اذن ليس غياباً. الغيابُ هو البقاء حيث ولدتَ، كأنك ميّتٌ قبل الموت. هو شعورك أنك حيٌّ، لكنك لستَ قادراً على ممارسة الحياة. السفر هو الحضور.
وأخذتُ أتمتم في ذات نفسي، متسائلاً، ضائعاً، ذاهلاً: هل السفر وصولٌ، أم هو طريقٌ لسفر آخر؟ واذن، لا عودة؟ كأنه انفصالٌ، قطيعةٌ، ونوعٌ من الموت؟ وكنت أجيب نفسي: كل رحلةٍ لا عودة منها. ان كانت هناك عودة، فليست منها، بل مما ليست هي.
السفر أفقٌ. ولا تخوم له. والمكان هنا وَتَرٌ، والأيام أنغامٌ وايقاعات. والزمن هنا “طفل يلهو” (هيراقليطس). ايها الطفل الذي فيّ، هل تفهم هذا “اللهو”؟ وهل أنت في مستواه؟
وشعرتُ أن جسدي يتحول الى ايقاعات يتداخل فيها النبض، التنهد، الحالةُ، المزاجُ، وأن دمي يسيل في هذه جميعاً. وشعرت أنني أتعرفُ على حاضرٍ لا ماضيَ له من جنسه، أو حاضرٍ مسكون بماضٍ لا ماضيَ له. أأنا في انخطاف لا يعود الزمن فيه إلا هذه الهنيهة من هذا السفر؟
لماذا أخذ الموت أختي الجميلة، سكينة
ولماذا، في هذه الهنيهة بالذات، تملأ داخلي، تملأُ هواجسي، صورةُ القرية مُبقعة بالموتِ- ولبست هذه البقعة إلا مَوتْ أختي سَكينة؟ لا أذكر وجهها؟ أذكر وجهَ أمي الذي يأكله الحزنُ العاجز الصامت.
لماذا بكّر الموت وأخذ هذه الطفلة التي قيل انها جميلة جدا؟ لم تمرض. ذهبت الى عين القرية وعادت. العين قريبة جدا الى بيتنا. أقل من خمس دقائق سيراً على القدمين. ذهبت وهي في كامل زَهْوِها الطفولي، وعادت شبه ذابلة. لا علّة فيها، قالت أمي باكيةً. ماتت، فجأة. كمثل شهابٍ لم يكد يتلألأ حتى انطفأ. أُصيبت بالعين، لجمالها، قالت أمي.
لا تُصيبيني بعينيكِ، يا هذه الطريق.
ولماذا، في هذه الهنيهة نفسها، تُحاصرني صُورٌ خاصةٌ من طفولتي الأولى،-
صورةُ بيتنا أولاً. مختصر للطبيعة، في الهواء الطلق: جدران من الحجر والطين، يغطيها سقف من الخشب. وكان البيت مقسوماً الى جزئين: داخلي، معتم لادخار المؤونة- حبوباً، وزيتاً ويتوناً، على الأخص. وخارجي للجلوس والنوم والأكل والاستحمام والضيافة. في الشتاء، كانت أمي تجلسني في طستٍ كبير وتغسلني. كنت أصرخ وأبكي، خصوصاً عندما تدخل في عيني رغوة الصابون. وكانت تقول بهدوء: قلت لك أغمضْ عينيك، عندما أغسلُ رأسك.
ولماذا، في هذه الهنيهة أيضاً، لا تفارقني صورة “الكُتّاب”: حفظ القرآن، التجويد، الخَط: كانت تلك هي الدرجات الأولى في سُلّم المعرفة.
الطريق الى طرطوس،-
شاطئٌ آخر من الخُضرة يواكب زُرقة البحر. والبحر يتمدد في ظل الجبال، تحت أقدامها. بين أمواج البحر، والجبال- تلك الأمواج الأخرى من التراب والصخر والشجر، سِرتُ الى طرطوس. كنت أشعر أنني كمثل طائر، وأن جسدي ليس معي. يقفز من نوافذ السيارة، يُجاريها في سرعتها، ويحاول أن يسبقها الى المدينة. وكانت أفكاري وخواطري ترقصُ كأنها الموج. تتمازج بما تراه عيناي- بالشجر، والصخور، والحصى، بالشمس والظل. كانت فضاءً آخر داخل الفضاء.
تُرى، هل جسدي هو الذي يسير في هذه السُّهول
تهدرُ السيارة وتتموج، مثقلة بركابها. يهدر في شعوريَ الساحل كلّه، ويتموّج معها- بسهوله وروابيه. وأنى اتجهت عيناي، كنت أشعر أن ثمة مرآة كبيرة أخترقها صوب الجهة الأخرى، ذلك الفراغ المليء بأمواج لا أراها. أين تبدأ، أين تنتهي؟ من أين تجيء، الى أي تمضي؟ سديمٌ عذبٌ كأنه جسدٌ آخرُ خُيّل اليّ أنه يحملني، ويُهدهُدني- فأمشي، وأحلم، وأحسَبُ أنه هو نفسه جسدي الحقيقي الذي يحمل رأسي وقلبي، ذراعيّ وقدميّ. وكنت أتساءل بقلق كأنه الطمأنينة: تُرى، هل جسدي هو الذي يسير في هذه السُّهول، أم أنّ هذه السهول هي التي تَسير فيه؟ وكنت أتحسسه: تُرى بقي منه شيءٌ في القرية، في فراشي الذي نهضت منه، دون ان أودِّعه كما ينبغي، أو على عتبة بيتنا، أو بين ذراعي أمي، أو في الطريق التي تصلُ بين القرية والبحر، بينها وبين جبلة، حيث صعدتُ الى السيارة؟ وشعرت، للمرة الأولى، أن بين جسدي والمكان االذي وُلِدَ فيه وحدةَ نهارٍ وليل، ماء وتراب، قمرٍ وشمس. ولم أعرف كيف انتبهتُ الى رائحة تفوحُ من ثيابي لم تكن إلا رائحة الحَبقِ أمام بيتنا ممزوجة برائحة الطيون والزنزلخت وتلك الأعشاب التي أجهل أسماءها والتي طالما نمتُ عليها أو نمتُ معها.
نهر السّن/ حريصون: اسمانِ أولانِ يَسمانِ الطريق، قبل بانياس. يَنطبعان حتى اليوم، لا في ذاكرة خواطري وحدها، بل في ذاكرتي عينيّ أيضاً. دخلا عِبْر هواجسي في إنبيق كيميائي من التساؤلات: لماذا “االسنّ”؟ والنّهر هو، في الحقيقة، نبع. ومن أين تجيء كلمة “حريصون”؟
ورَجَحَ في هذا الإنبيق، ربما مؤقتا، ان “نهر السن” اسم مُصغَّر لذلك النهر الذي يجري في جغرافية أخرى، بعيدا: “نهر السّين”. ذلك ان السنّ لم تكن سِنّاً. الأحْرى أن تُسمى فَماً. والنهر نبع غزيرٌ كريم يخرج من أحشاء جبل تربض فوقه قرية “قرفيص” التي بدت لي كأنها حقاً تجلسُ القرفصاء على صدر هذا الجَبل، ويوزعه الفلاحون بسخاء على السهول التي تمتد حتى البحر.
حربة الامام علي… والتنين
ورَجحَ في هذا الإنبيق، وربما مؤقتا أيضا، ان كلمة “حريصون” ليست إلا تصحيفاً أو تحريفا للكلمة الآتية من “نهر السين”: Hérisson – اشارة الى ان المكان الذى يجاور “نهر السين” عامرٌ بالرجال المشاكسين، أو بالحواجز ومراكز المقاومة، أو بالمزارعين المختصين بتوزيع الأسمدة، أو بالقنافذ، أو بهذه جميعاً.
ولم أقدر ان أسأل شخصاً عن حقيقة هذين الاسمين، قبل مرحلة الانتداب الفرنسي على سورية. لذلك لا يزال الإنبيق الكيميائي مليئاً بالتساؤلات.
“قلعة المرقب” الاسم الثالث الراسخ ايضا عميقاً في ذاكرتي. رأيتها من نافذة السيارة، وكنت عرفت اسمها من أحد الركاب، تجلس مهيبةً على جبل مُسْتَوٍ، تدير خدّاً لبانياس، وخدّاً للبحر. تجلس لابسة السواد، وما حولها ترابٌ اسود، وصخور سوداء. على الشاطئ، قبالتها تماما، مرفأ صغير. في رأس المرفأ صخرةٌ سوداء. في الصخرة ذراع صخرية سوداء طويلة، مشكوكة بشكل مائل. قلت في نفسي: أكيدٌ انها غُرست منذ القديم لربط القوارب التي تُرسي في هذا المرفأ. لكنني، فيما بعد، سمعت الأسطورة التي يُرددها القرويون هناك، والتي تقول شيئاً آخر. تقول ان هذه الذراع ليست إلا جزءا من حَرْبة كان الامام علي قد ضَرَب بها التنين. قتله، وانغرست الحَرْبة، من شدة الضربة، في الصخر، لتبقى شاهدةً على ذلك مدى الدّهر!
أيتها البلادُ، يا جسدي الآخر
يا بلاد الموج والأساطير،
أيتها المكتوبة بالحنّاء والكحل وأحلام الملائكة،
ألَن تُعطيني سحركِ الآن، في هذه اللحظة، لكي أتسلَّحَ به، في هذا السَّفَر؟قلبي على بلدي انفطر … وقلب بلدي علي حجر
8 سبتمبر، 2001 الساعة 4:13 ص #342034خالد
مشاركالحلقة الرابعة من ذكريات الشاعر العربي الكبير أدونيس: كثيرون رأوا في اتخاذي اسم أدونيس موقفاً عدائياً من العروبة والاسلام
_______________كنتُ حين اتخذت هذا الاسم أدونيس، أتابع دراستي الثانوية في اللاذقية. وكنت في حوالى السابعة عشرة من العمر.
كنت أكتب نصوصاً شعرية ونثرية أوقعها باسمي العادي: علي أحمد سعيد، وأرسلها الى بعض الصحف والمجلات آنذاك للنشر. لكن أياً منها لم ينشر في أية صحيفة أو مجلة. ودام هذا الأمر فترة. فاستأت وغضبت. وفي لحظة من لحظات الاستياء والغضب، وقعت في يدي، مصادفةً، مجلة اسبوعية، لبنانية على الأرجح، قرأت فيها مقالة عن اسطورة أدونيس: كيف كان جميلاً، وأحبّته عشتار، وكيف قتله الخنزير البرّي، وكيف يبعث، كل سنة، في الربيع..الخ. فهزتني الاسطورة وفكرتُها. وقلت، فجأة، في ذات نفسي، سأستعير من الآن فصاعداً اسم أدونيس، وأوقِّع به. ولا شك أن هذه الصحف والمجلات التي لا تنشر لي انما هي بمثابة ذلك الخنزير البري الذي قتل أدونيس.
وفعلاً كتبت نصّاً شعرياً وقعته باسم أدونيس وأرسلته الى جريدة لم تكن تنشر لي، وكانت تصدر في اللاذقية. وفوجئت انها نشرته. ثم أرسلت نصّاً ثانياً، فنشرته على الصفحة الأولى، أرفقها المحرر بإشارة تقول: المرجو من أدونيس، أن يحضر الى مكاتب الجريدة لأمر يهمه.
فرحت حين رأيت النصّ منشوراً، خصوصا حين قرأت الاشارة. فذهبت الى مكاتب الجريدة. وعندما دخلت واستقبلني احد المحررين بدا عليه انه لم يصدق دعواي بأنني أنا أدونيس. فدخل مسرعاً االى رئيس التحرير وأخبره بحضوري. وحين دخلت الى غرفة رئيس التحرير بدا هو أيضاً كأنه غير مصدق. كان ينتظر شخصاً بقامة رجل، فرأى أمامه قروياً، تلميذاً بسيطاً وفقيراً، وسألني:
– هل أنت أدونيس، فعلاً؟
فأجبته:
– نعم، أنا هو.
ومن ذلك الوقت غلبني اسم أدونيس.
أذكر لهذه المناسبة أن هناك أشخاصاً كثيرين رأوا في اتخاذي اسم أدونيس موقفاً عدائياً من العروبة والاسلام. وحوّلوه الى وثيقة تؤكد اتهامهم لي بعداء كلّ ما هو عربي واسلاميّ. وكان مواطنٌ دمشقي سمّى دار السينما التي يملكها قرب مقهى الهافانا االشهير، باسم سينما أدونيس، فأمرته السلطات المسؤولة آنذاك، بتغيير الاسم، وسمّيت سينما بلقيس. كأن بلقيس اسم عربيّ الأصل!طفل تونسي اسمه أدونيس
ومؤخرا أرسل لي الصديق الشاعر حسين القهواجي من تونس قصاصة من جريدة “الصريح” تحمل الخبر التالي نصه: “ذهب أحد المواطنين قبل أيام قليلة الى احدى بلديات الضواحي القريبة من العاصمة (تونس) لتسجيل ابنه الذي ولد أخيراً. ولكن قابض الحالة المدنية رفض تسجيل المولود الجديد بدعوى ان الاسم فيه بعض الشذوذ، وليس من الأسماء العادية المألوفة. ولما قال له هذا المواطن: ان اسم أدونيس من الأسماء العربية التي دخلت لغتنا العربية، وانه أسم
أحد كبار الشعراء العرب المعاصرين، تمسك قابض الحالة المدنية بموقفه، وقال له: ان هذا الاسم لا يحمله أي تونسي ولذلك، سامحني عاد!”. ولم يقتنع المواطن وأصرّ على تسمية ابنه بأدونيس، وقرر الذهاب الى المحكمة، وعدم استخراج بطاقة ولادة لابنه الى ان تبت المحكمة في الموضوع”.
في دمشق يمنع الاسم باسم العروبة والاسلام، وفي تونس يمنع بحجة أنه غير مألوف.
هكذا يحارب بعضنا حتى الألفاظ، حتى الكلمات.
والحق أنني لم أكن أعرف حين اخترت هذا الاسم، انه ينطوي على رمز الخروج من الانتماء الديني-القومي، الى الانتماء الانساني-الكوني، وانه سيثير مثل هذا العداء في الأوساط االدينية-القومية. ولئن كان الأمر كذلك، فان على هذه الأوساط أن تحذف آلاف الكلمات من معجم اللغة العربية، ومن لغة الحياة العربية اليومية، وأن تحذف كذلك عشرات الكلمات التي وردت في القرآن الكريم، والتي ليست من أصلٍ عربيّ.
لكن بالمقابل هناك اليوم عشرات العرب الذي يسمّون أبناءهم باسم أدونيس، من عدن حتى بيروت.دمشق غرفة ضيقة
لم أر المدينة. لم أعرفها بتفاصيلها-شوارع، وآثاراً قديمة، ومعماراً. لم أزر المتحف. لم أزر الجامع الأموي، ولا القلعة.
كانت دمشق بالنسبة اليّ مجرد غرفة ضيّقة يعيش فيها طالبٌ قرويّ، يريد أن يتعلم. وكانت الكتب، وبعض القاعات في الجامعة، ومكاتب جريدة “الجيل الجديد” وبعدها جريدة “البناء” حيث عملت محرراً أدبياً، وبعض بيوت الأصدقاء، وهم أقل عددا من أصابع اليد الواحدة.
كانت دمشق قريتي الثانية. لم تبهرني- بوصفي قروياً يجيء من قرية فقيرة نائية، ليعيش فيها- هي العاصمة. لذلك لم تؤثر فيَّ، بوصفها مدينةً.
أقمت فيها حوالى ست سنوات (1950-1956) والآن، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً، أعرفها بالتذكر. أستعيدُ حياتي فيها، وأتعرف عليها، عِبْرَ هذه الاستعادة.
كانت دمشق، بالنسبة اليّ، تاريخاً- كانت زماناً، لا مكاناً.قصة حبي مع خالدة سعيد
دخلت أولاً كلية الحقوق. أمضيت قرابة السنة، ثم رأيت أنني لا أستطيع أن أتابع فيها. فانتقلت الى كلية الآداب، قسم الفلسفة. كنت أشعر أن قسم اللغة العربية لن يفيدني شيئاً، لأنني كنت أعرف مسبّقاً، لغةً وشعراً، ما سأدرسه فيها. لذلك اخترت الفلسفة، قائلاً في ذات نفسي، ربما أفيد من الفلسفة، فتفتح لي آفاقاً فكرية غريبة عليّ.
ولم أتابع في هذا القسم دراستي، بانتظام. كان عملي اليومي يحول دون ذلك. لذلك لم أتعرف على الحياة الطلابية في الجامعة. وكان أصدقائي من الطلاب قلّة ونادرين جداً. لكن نشأت بيني وبين بعض الأساتذة صداقة لا تزال قائمة حتى الآن. والحقيقة أنني لم أكن طالباً- بالمعنى الحصري لهذه الكلمة.
أما قصة الحبّ التي عشتها، فكانت مع طالبة، من خارج الجامعة، تدرس في “دار المعلمات” في دمشق نفسها، وهي رفيقة حياتي حتى الآن: خالدة سعيد.لم أقرأ الشعر العربي الحديث
لم أكن أقرأ الشعر العربي الراهن، آنذاك، باستثناء بعض القصائد لبدوي الجبل وعمر أبي ريشة وسعيد عقل. اضافة الى بعض القصائد التي تنشر في الصحف والمجلات آنذاك لبعض الشعراء العرب الآخرين، وبخاصة نزار قباني، لم تكن لدي متابعة خاصة ودقيقة للشعر العربي آنذاك.
كنت أقرأ في عزلتي، في أوقات فراغي، شعراء آخرين باللغة الفرنسية: بودلير، ريلكه (مترجماً)، هنري ميشو، رينيه شار، مع أن لغتي الفرنسية كانت ضعيفة آنذاك. فأنا لم أدرس الفرنسية في المدرسة، وانما درستها بنفسي، وحدي، اعتماداً على القاموس. وكنت أشتري هذه الكتب من مكاتب في دمشق وفي حلب- عندما أمضيت فيها قرابة السنة في كلية ضبّاط الاحتياط، وكنت أقوم بما يُسمى “خدمة العلم”. غير أنني، استطراداً، لم أنجح في هذه الكلية. جميع زملائي تخرجوا برتبة ضابط- إلا أنا: تخرجت برتبة رقيب أول!سنة 1954 بداية الاعتراف بشعري
لم يكن لي تأثير في الحركة الشعرية آنذاك. ومع أنني كنتُ معروفاً، ونُشرت لي بعض القصائد في مجلة “القيثارة” أولى المجلات العربية الخاصة بالشعر في سورية، وكانت تصدر في اللاذقية، فلم تكن الأوساط الشعرية العربية ترى فيّ إلا الموهبة الشعرية. وقد أخذت تعترف بي، بدءاً من سنة 1954 حيث نشرت قصيدتي الطويلة “الفراغ” وكانت بمثابة حدث شعري- على صعيد الشكل التفعيلي، وعلى صعيد الرؤية. وهذه القصيدة هي التي كانت نقطة الوصل بيني وبين يوسف الخال، وكان قد قرأها وهو في نيويورك، في الأمم المتحدة، وأعجب بها كثيراً. وبعضهم رأى في هذه القصيدة “الأرض الخراب” (العربية) لإليوت. وطبعاً لم أكن أعرف شعر إليوت، ولم أكن أعرف حتى اسمه.
غير أنني، مقابل ذلك، أقمت علاقات وثيقة مع الحركة الفنية التشكيلية في دمشق، ومع ممثليها الأكثر أهمية آنذاك: نصير شورى، ومحمود حمّاد، وناظم الجعفري، وأدهم اسماعيل- تمثيلاً لا حصراً.أول مرة سمعت عن السوريالية
وكنت أتابع نشاطهم، وأكتب عنه، ونشأت بيني وبين معظمهم صداقة ومودة.
كذلك نشأت صداقة عميقة بيني وبين أورخان ميسّر. وهو أول من حدَّثني عن السوريالية وعن أهميتها. وكنّا نلتقي باستمرار في بيته، ونتبادل الآراء، وقراءة ما نكتبه. وبعد أن مات، طُلبَ إليّ أن أكتب مقدمة لشعره الذي طبعته وزارة الثقافة السورية، بوصفي خير من يعرفه ويعرف شعره، وقد كتبت مقدمة لمجموعته التي صدرت بعنوان “سوريال”.
لكن بدءاً من السنة 1954- السنة التي اختتمت بها دراستي الجامعية، بدأت أهتم بقراءة الشعر السوري بخاصة، وهذه السنة هي نفسها التي أسْلَمتني الى “خدمة العلم” (هذه المرحلة دامت سنتين، وهي حاسمة في تأثيرها على حساسيتي الشعرية ونظرتي الى الأشياء والناس. ويتعذر عليّ الآن أن أكتب عنها).قباني وبدوي الجبل وعمر ابو ريشة وسعيد عقل
كان نزار قباني يملأ دمشق، وكان يرُجُّ ماءها الآسن. بينبوعٍ سَلسلَهُ فيها ومن تاريخها، وقبل كل شيء، من الحياة اليومية في أقرب تفاصيلها الى أشياء الانسان. كان يعلِّم هذه الحياة كيف تتحول هي نفسها الى قصيدة.
وكان بدوي الجبل الصّدر الذي يحتضن جسد الشعر العربي، ويعيد تكوينه في اللغة وبها، أنيقاً، مُترفاً، بهيّاً.
عرفت في شعره كيف تكون الذاكرة ذِكْراً، وكيف تتداخل فيها أصوات الشعراء القدامى وتتآلف قريبةً بعيدةً في صوتٍ واحد. وعرفت فيه كيف يصير الماضي حاضِراً، دون أن يلبس الثاني ثوب الأول، ودون أن يدير الأول ظهره للثاني.
وعرفتُ كيف يكون الشعر سِلْكاً ينتظمُ فيه العقل والقلب، الغضبُ والحبّ، المرارة والطمأنينة.
كان بدوي الجبل جبلاً، لكنه كان في الوقت نفسه مَوْجاً.
وكان عمر أبو ريشة يستدرج الواقع، بقسوةٍ حيناً وَبِلينٍ حيناً، لكي يصير على مثال صوته: نفير حرية وتحرر. كان يغني كأنه الصوت المكلف بصياغة ايقاع آخر لحياة العرب. وكان يبدو كمثل غاضبٍ يشعر أن بلاده ضيّقةٌ عليه.
كان شاعر آخر هو نديم محمد لا يزال حتى الآن شبه مجهول، على الصعيد العربي، يقيم داخل نفسه، ويكتب “آلامه”. وهي مجموعة شعرية أعدها بين أهم المجموعات الشعرية العربية في النصف الأول من هذا القرن.
بين الأصوات الشعرية التي كانت تجيئنا من خارج دمشق، كان صوت سعيد عقل، الأكثر حضوراً بالنسبة اليّ.
صانِعٌ بارعٌ- كأنه ينحدر مباشرة من أبي تمّام. وفي صناعته ثقافة لم أعهد مثلها لدى الشعراء الذين يجايلونه. أنشأَ بنية جديدة للقصيدة، وأسّس لصياغة جملةٍ شعرية جديدة، وأعطى للكلمة سياقاً جديداً.
كان شعره انشاءً ذهنياً يكاد، لِلُطفِ تجريده ولعذوبته، أن يكون لِعباً.
لم أكن قد قرأت شوقي. ولم أكن أعرف شعر الجواهري. وكنتُ بعيداً عن جبران.المتنبي وأبا تمام، والشريف الرضي والبحتري، والمعري
كانت دمشق ملتقى تطلعاتٍ متناقضة، ومتنوعة. كانت مُناخاً غريباً تستطيع فيه أن ترى الغيمَ يَسبحُ كثيفاً على سجّادةٍ من خيوط الشمس، وأن تسمع الرَّعد ينبجسُ من فضاءٍ ليس فيه أيُّ أثرٍ لأية غيمة.
“ماذا أقرأ؟” سؤالٌ كان شاغلي الأول، فيما كنتُ أتَتَلْمَذُ، وأنمو. الشعر العربي القديم؟ أعرفه- وبهِ انجبلتْ طفولتي الأولى في القرية، وذلك بتوجيه أبي وسهره على تربيتي. كانت الحياة شعرهُ الأول والأساس، أما شعره بالكلمات فكان عنده هامشياً. غير انه كان قارئاً محباً للشعر، وبصيراً باللغة العربية وأسرارها. على يديه، قرأتُ، بشكل خاص، المتنبي وأبا تمام، والشريف الرضي والبحتري، والمعري، وعشرات آخرين، في دواوينهم، أو في مجاميع شعرية- وبخاصةٍ “الحماسة” لأبي تمّام.
الى ذلك، علّمني القرآن وتجويدَه.قلبي على بلدي انفطر … وقلب بلدي علي حجر
10 سبتمبر، 2001 الساعة 5:41 م #342248خالد
مشاركالحلقة الخامسة من مذكرات الشاعر العربي الكبير أدونيس:
تركت سوريا لأنني كنت مناوئاً، لنظريات القومية العربية والوحدة العربية
_______________بدأت الهوّة تنحفر أيضاً بيني وبين الواقع وما يحيط بي
لم أكن أعرف في نفسي أية رغبةٍ لكي أقرأ من جديد ما كنت قرأته. وكانت دراستي الجامعية بمثابة الهاوية التي انفتحت بيني وبين الماضي. كانت الجامعة لِقَتْل الشعر، ولِقَتْل الذائقة الشعرية في آن. وكان التراث يبدو فيها، عِبْرَ طرق التدريس والرؤية والفهم- نقيضاً، لا للحياة وحدها، وانما للانسان وللتقدم، كذلك.وفي الجامعة نفسها، جامعة دمشق، بدأت الهوّة تنحفر أيضاً بيني وبين الواقع وما يحيط بي. بدأت أرى الحاضر امتداداً لهذا
الماضي الذي تقدمه الجامعة. وأخذ ينمو في نفسي الشعور بأنني أعيش على شفا المكان- أتأرجح، وأكاد أن أهوي. وفي هذا الاطار، بدأتُ أتنبه الى أنه لا يكفي، وبخاصة في الشعر، أن يرجّ الكلام الجسدَ لكي يستيقظ ويتجدد، بل ينبغي أيضاً أن يرجّ الجسد الكلام، لكي يستيقظ هو أيضاً، ويتجدد. وبدأت ألاحظ ان اللغة كالانسان، لها هي كذلك، فواجعها، وأن الفاجعة الكبرى التي تنزل بها هي الكتاب الذي يولَدُ جُثّةً- لا يكون إلا كومةً من الكلمات. وخُيّل اليّ أحيانا أنني أصرخ في أروقة الجامعة” ما أكثر الكتب – الخرائب.
لا يزال ضوءٌ يتوهج في حياتي الجامعية، يتمثل في ثلاثة أساتذة أصبحوا أصدقاء أعتز بصداقتهم: عبد الكريم اليافي، وبديع الكسم، وأنطون مقدسي.ديوان “أزهار الشر” لبودلير
ماذا أقرأ، اذن؟ لم أكن أعرف لغة أجنبية. أمضيت سنة ونصف السنة في مدرسة البعثة العلمانية الفرنسية في طرطوس (اللاييك)، في منتصف الأربعينات. ثم أغلقت المدرسة، بعد أن تمّ جلاء القوات الفرنسية. كنت لا أزال أحفظ بعض الكلمات الفرنسية، ولا أزال قادراً، بصعوبةٍ، على القراءة- قراءة بعض النصوص، غير الصعبة.
اذن، سأقرأ بالفرنسية. وسأقرأ الشعراء الأكثر شهرة.
هكذا بدأت بديوان “أزهار الشر” لبودلير. ليتني احتفظت بالنسخة التي استخدمتها، لأرى فيها العناء الذي كابدته. استخرجت معاني كلماته، كلّها تقريباً، من المعجم، كانت كل صفحة من هذا الديوان شبكة من الكلمات الفرنسية والعربية، ومن الخطوط والأسهمُ والدوائر. ومع ذلك لم أكن أفهم من القصيدة، إلا قليلاً: صورة من هنا، فكرةً من هنالك.
لم أتراجع. على العكس، ازددت اصراراً على المتابعة. واخترتُ أن أقرأ بعد بودلير، ريلكه- في ترجمته الفرنسية. قرأته بِيُسرٍ أكثر، مما يعني أنني أفدتُ من قراءة بودلير.
بعد ذلك لم أفارق الكتب الفرنسية. (أشير هنا الى ما قد يبدو الآن أمراً مُستغرباً: في سنة 1955، أخذت من احدى المكتبات في حلب، حيث أمضيت جزءا من فترة خدمة العلم، مجموعات شعرية لشعراء فرنسيين بينهم رينيه شار، وهنري ميشو، وماكس جاكوب).
عملت هذه القراءة على تعميق الهوّة، وتوسيعها بيني وبين الثقافة التي كانت تسودُ حياتنا. وكثيراً ما كان يخيل اليّ أنني أسمع في داخلي صوتاً يقول لي: استَمْسِكْ، اعتصِمْ، وحاذِرْ أن تسقط في أي شيء، إلا في نفسك، وعليك هنا أن تسقط عمودياً، وأن تسلك الطريق الأكثر رحابة: ما لا قرارَ له، وما لا ينتهي. اذ بدءا من ذلك، تستطيع أن تهبط في أعماق الأشياء.كنت مناوئاً، فكرياً، لنظريات “القومية العربية” و”الوحدة العربية”
تركت سوريا لأسباب سياسية، أولاً. لم تكن تعجبني أفكار النظام آنذاك ولا ممارساته. وكنت مناوئاً، فكرياً، لنظريات “القومية العربية” و”الوحدة العربية”، كما كان يطرحها كتّاب هذا النظام ومفكروه. وقد أمضيت قرابة السنة في سجن المزّة بدمشق، وفي السجن العسكري بالقنيطرة- دون أن أُحاكم. وخرجت، بعد هذه السنة، بريئاً!
وتركتها ثانياً، لكي ألتقي بيوسف الخال. لأنه كتب لي من نيويورك أنه عائد الى بيروت، وأن في نيّته اصدار مجلة تعنى بالشعر العربي، وبالحداثة الشعرية خصوصاً، وأنه سيكون سعيداً بالتعاون معي في اصدار هذه المجلة.
وتركتها ثالثاً، شَغفاً ببيروت- ورجاءً بحياةٍ لا طُغيان فيها.
انها لحظة يتعذر عليّ تقديرها، تلك التي كانت الجسر الذي حملني، ناقلاً حياتي من ضفة الى ضفة، اذ بهذه اللحظة أيضاً، يمكن أن تؤرخ حياتي. كانت بدايةً لأحلافٍ وعهودٍ كثيرة عقدتها مع المستقبل- واثقاً أنه خيرٌ لي أن أحتضن صحرائي وأتابع الهواءَ الذي يحمل رائحة البحر.
ولم أندم. ولم آسف على شيء.اللقاء مع يوسف الخال: كنّا كمثل شخصين أقاما عهداً بينهما
قبل أن ألتقي بيوسف الخال، تعرفت على بيروت شارعاً شارعاً، من الجهات كلها، خصوصاً من جهة البحر.
هذا البحر نفسه الذي قلما رأيته، أعني قلما عرفتُ أن أراه في جبلة واللاذقية وطرطوس، حيث ولدتُ ونشأتُ، أخذ يبدو لي كأنه يتموّج بين أطرافي، وكأن نبض أمواجه يمتزج بنبض أعضائي. كنّا مختلفين فتآلفنا. وكنّا منفصلين فتواصَلْنا.
وكثيراً ما تساءلت في ذات نفسي، فيما كنت أطوفُ شوارعَ بيروت وأزقتها: لِمَ كانت دمشق، وهي العريقة وواحدة بين الأمهات الأوائل- لمَ كانت تبدو لي كأنها لم تُولدَ بعد، أو كأنها خرجت لِتوها من رَحِم زمانٍ لا يزال يَحبو؟ وما السّر الذي كان يكمنُ وراء ما يُنوِّر خطواتي في بيروت، فيما تكتسي قدماي بالغبار؟ ومن أين كانت تجيئني تلك الشهوةُ لكي أتماهى مع الأفقِ، وألبسَ الهواء؟
في الأسبوع الأول من وصولي الى بيروت، أواخر اكتوبر 1956، التقيت بيوسف الخال. ومنذ لقائنا نشأت بيننا صداقة قوية، شعرياً، وانسانياً. وكنّا معاً دائماً- في بيته. كان واعياً وواثقاً أنه سيفتح بهذه المجلة، مجلة “شعر” أفقاً جديداً للشعر العربي. وكان قد تحدث عنها مع أصدقاء وشعراء آخرين.
كان هذا اللقاء الأول بيوسف الخال لقاءَ عمل. كنّا كمثل شخصين أقاما عهداً بينهما، دون أن يعرف أحدهما الآخر، ودون أن يلتقيا. ولم يكن لقاؤهما إلا لكي يضعا هذا العهد موضعَ الممارسة. هكذا بَدَونا، في لقائِنا، كمثل شخصين تربط بينهما صداقةٌ قديمةٌ، قِدمَ الشّعر. كمثل شخصين يسكنهما هاجسٌ واحدٌ من أجل قضيةٍ واحدة: التأسيس لكتابةٍ شعرية عربية جديدة. كمثل شخصين لا سلاحَ لهما غير الشعر والصداقة والحرية، لكنهما يشعران في الوقت نفسه، أنهما القويّان اللذان لا تغلبهما أية قوة.تأسيس مجلة “شعر”
تحدثنا طويلاً في هذا اللقاء الأول، وحول قضايا كثيرة، لكن في اطار القضية الأساسية: إصدار مجلة خاصة بالشعر، باسم “شعر” (الاسم الذي كان قد استقر عليه، بعد مداولات مع بعض أصدقائه، بينهم خصوصاً، فؤاد رفقه، ونديم نعمه، وخليل حاوي). أعجبني الإسم. وأعجبت في حديثه، بنبرته المتآلفة مع أفكاره. كانت نَبْرةَ شخصٍ مأخوذٍ حتى الهيام، بعملِ شيءٍ للشعر العربي واللغة العربية: شيء يطمح بهِ الى وضع هذا الشعر، من جديد، على خارطة الشعر في العالم، كما عبّر، وكما كان يحب أن يكرر. كان اذن يدعو الى قيام حركة، الى نشر فكرةٍ- عِيْرَ المجلة، وعِبر الشّعر، من أجل الشعر، والابداع الشعري. وتكمن هذه الدعوة وراء آرائه جميعاً، وهي التي قادته الى الانشغال بالمسألة اللغوية، وبخلق أشكال جديدة للتعبير. أقول: دعوة، لكن دون أي ادعاء رساليّ، ودون أي انغلاقٍ ايديولوجي.
لم يكن الأمر سهلاً. كان، على العكس، صعباً جداً من جميع النواحي، وعلى جميع المستويات. كان المناخ الشعريّ العربي أشبه بحوضٍ ضَخمٍ يطفح بماءٍ يتدفق من ثلاثة مجارٍ:
– الموروث، لكن الذي يُفهم خطأ، والذي يُدرّس في المدارس والجامعات، باختيار غير بصيرٍ، وبمعايير تقليدية، وبطرق لا تطمس الشعر وحده، وإنما تقضي كذلك على الحس الشعري، والذائقة الشعرية.
– المجرى الثاني يتمثل في الشعر الذي استكمل “عصر النهضة”- شعر شوقي ومطران وحافظ ابراهيم، يضاف اليهم أحياناً بدوي الجبل والجوهري اللذان كان لهما وضعٌ خاصٌ يجعل منهما حلقة وَصْلٍ بالجيل الذي تلا جيل شوقي: الأخطل الصغير، أمين نخله، ابراهيم ناجي، محمود حسن اسماعيل، عمر أبو ريشه وسعيد عقل، تمثيلاً لا حصراً (الغاية هنا هي اعطاء فكرة عامة، لا تعداد الأسماء).شعر “التقدم” و”اليسارية” خناجر في جسد اللغة العربية
– المجرى الثالث هو الشعر الناشئ، باسم “الشعر الحر”. وما كان يفاجئنا، بشكل خاص، هو هذا المجرى الأخير. فقد كان في معظمه، وبخاصة ذلك الذي اتسم بِـ “التقدم” و”اليسارية”…الخ، أشبه بأثقال من الحديد على الألسنة وفي الحناجر: كان شعراً يكتب باسم التحرر، باسم قضايا انسانية عظيمة أكاد أن أسمعها تئن حتى الآن، تحت وطأة تلك الأثقال. كان في معظمه بليداً، عقيماً. وكنت أشعر، فيما أقرؤه، أن كل كلمةٍ من كلماته خَنجرٌ في جسد هذه الأمّ العظيمة الجميلة: اللغة العربية.
كان هذا كلّه يدور في ذهني، فيما نتحاور. وكنت بين وقتٍ وآخر، فيما أصغي اليه، أتساءل صامتاً: ماذا يقدر يوسف الخال (الذي اتهم، قبل أن يبدأ بارتكاب “جريمته”، بأنه “مخرّب” و”عميل” وأُتهمت معه طبعاً، اضافة الى بعضٍ من أصدقائنا)،- ماذا يقدر أن يفعل في هذا المناخ، وكيف سيجابهه؟
شربنا احتفاءً بلقائنا، وسألني بما يشبه الصّمت:
– ما رأيك؟
قلت:
– أنا معك.
وفي مطلع 1957، صدر العدد الأول من مجلة “شعر”.
العدد الأول: كان صدوره فاتحةَ هجومٍ صاعق، ومن جميع الجهات. كان المهاجمون كُثراً ومتنوعين: مزيجاً غريباً من الأشخاص: متشاعرين، شعراء، متحزبين، متعهدي وطنيّات وايديولوجيات، متسكعين حول شُرفات ٍينحصر طموحهم في أن يقال عنهم إنهم قذفوا الشتائم في اتجاهها. كانت لغة الهجوم مليئة بكلماتٍ تخرج من أفواههم، كأنها قطعٌ من الوَحْل.
لم نحزن على حالنا من هذا الهجوم، وانما حزنا على الثقافة والوسط الثقافي. حزنا على العقلية الكامنة وراءهما. حزنا على مستوى التفكير، ومستوى الاخلاق: فلم تبق شتيمة أو تهمة إلا وُجهت إلينا.
كنا ننتظر معارضة لمشروعنا- معارضةً في مستوى الشعر، تنتقد آراءنا، تنبّه الى أخطائنا، تقترح علينا ما تراه الأفضل والأعمق. معارضة توجهنا نحو ما يفيدنا في متابعة عملنا من أجل الشعر العربي. ولم يخطر ببالنا أن تكون ردّة الفعل ضد المجلة، شرسةً وغبيّة الى ذلك الحدّ. شرسة: لأن التهم التي وجهت الينا كانت نوعا من القتل المعنوي (رجعية، مؤامرة، تبعية للاستعمار، خيانة..الخ) مما يحرّض على القتل المادي.
وغبية: لأن معظم المهاجمين لم يبحثوا المسألة الشعرية. وقد بدا لنا، مِمّا قالوه وكتبوه، أنهم لم يقرأونا. وأنهم، على افتراض أنهم قرأوا، لا يعرفون أن يقرأوا، ولا يعرفون أن يفكروا. ولا يعرفون أن يكتبوا. وليست لهم، فوق ذلك، أية علاقةٍ بالشعر- سواء من حيث التذوق، أو من حيث المعرفة.كنّا نظن أن العالم أُعطي لنا لكي نتنافس في بنائه
بدا لنا أن الشعر، بالنسبة اليهم، ليس إلا “مدحاً” أو “هجاءً”، وأنهم لا ينتظرون من الشاعر إلا أن يكون إما فَرّاشاً أو سجّاناً: يوزع المدائح، أو يوزع السَّلاسل.
والحق أن هذا الهجوم لم يكن انتصاراً للشعر، أو دفاعاً عنه، إذ لا يستطيع الانسان أن يخدم قضيةً يجهلها، وانما كان انتصاراً لسياسات معينة وايديولوجيات معينة، ولم يكن الشعر زهرة اللغة، لغةُ اللُّغة، والتعبير الأعمق عن الانسان العربي،- لم يكن، بالنسبة الى هؤلاء المهاجمين، إلا تُكأة وحجة. وكانوا في هجومهم يعملون من أجل ثقافةٍ لا تعرف من اللغة والثقافة إلا شيئاً واحداً: أن تزوّج الكلمة للسجن.
كنّا ننتظر أن يكون النقد الذي يتناول مشروع المجلة عملاً: أن ينشيء الناقدون مجلة أخرى أفضلَ وأكمل، وأن يكتبوا شعراً أجمل مما نكتب. وكنّا نظن أن العالم أُعطي لنا لكي نتنافس في بنائه، لا لكي يهدم بعضنا بعضاً. كنّا نظن أن هذه الفترة القصيرة من بقاء الفَرْد البشري على الأرض، والتي أعطيت له مرة واحدة والى الأبد، فترة فريدةٌ وغاليةٌ، لا يجوز أن نملأها بالأحقاد والصغائر، بل يجب أن نملأها بما يزيد الأرض والانسان بهاءً ووحدةً وقوة. وكنّا نعتقد أن الخلاقين، خصوصاً الشعراء والفنانين والمفكرين، موكبٌ واحدٌ متآلف في ليل العالم، مهما تنوعت آراؤهم واتجاهاتهم، ومهما تعددت، وتباينت.
أقول كنّا نظن- وهكذا كان علينا أن نتحمل “إثمَ الظنّ”.قلبي على بلدي انفطر … وقلب بلدي علي حجر
11 سبتمبر، 2001 الساعة 9:31 م #342424خالد
مشاركالحلقة السادسة من مذكرات الشاعر العربي الكبير أدونيس:
اصدرنا مجلة “شعر” فاتهمونا بالعمالة لأميركا
_______________اصدرنا مجلة “شعر” فاتهمونا بالعمالة لأميركا
وكان صدور العدد الأول، وقد أشرفنا على إنجازه معاً في مطبعة الريحاني، اذ لم يكن للمجلة مكتب، كان كما أشرت كمثل حدّ فاصل: بعضهم من العروبيين واليساريين الذين كانوا ملتفين حول مجلة “الآداب” التي قامت، بدون شك، بدورٍ مهم في حركة الشعر العربي الحديث، أعلن مباشرة حرباً شعواء على مجلة “شعر” ولم يوفروا تهمة إلا أسندوها اليها، بدءا من هدم التراث، ومناوأةِ العروبة، مروراً، بالاقليمية الضيّقة، وبالانتماء الى افكار انعزالية همّها الأول العداء للقومية العربية، ولحركة التحرر العربي اجمالاً، وانتهاءً بِـ “العمالة” لأميركا.
وبعضهم الآخر من اللبنانيين، وعلى رأسهم سعيد عقل، صمتوا استخفافاً بالمجلة، واستهانة بما تطمح الى تحقيقه.
وبعضهم، وكانوا قِلّةً، أعجبوا بها والتفوا حولها. أنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وجورج غانم، انضموا الى المجلة لاحقاً، بعد فترة قصيرة من صدورها.
غير أن العدد الأول مُنع في جميع البلدان العربية- وكانت الحملة عليها في سورية، بخاصة، عنيفة جداً.نشرنا للشيوعي سعدي يوسف ولنقيضه بدوي الجبل
كان يوسف الخال واثقاً من عمله، وكنت أشاركه هذه الثقة. ولم يُفاجأ كثيراً بردود الفعل المعادية، وكان يرى فيها بعدا سياسيا، على الأخص. شعرياً، ومنذ العدد الأول، قدمت المجلة نفسها على أنها مختبر منفتح، أو ملتقى للأصوات الشعرية العالية، أياً كانت اتجاهاتها، الايديولوجية أو الشعرية. ضم العدد الأول، على سبيل المثال، قصيدة تفعيلية (حديثة) لشاعر شيوعي، سعدي يوسف، وضمّت، بالمقابل، قصيدة لشاعرٍ، على الطرف النقيض، فكراً وشعراً، هو بدوي الجبل، وهي قصيدة كلاسيكية من طراز نادرٍ ورفيع. هكذا لكي تؤكد أنها ليست “قطيعة” مع التراث، وليست “هَدْماً” له، وإنما هي أفق آخر في شعرية اللغة العربية، وهو أفقٌ يتآخى مع الآفاق الأخرى، ومن ضمنها أفق الفترة التأسيسية، فترة ما قبل الاسلام. وكل ما ركزت عليه هو أن هذا الأفق الذي تفتتحه، يُوسع حدود الشعر، التي وضَعها أسلافنا، ومن ثم يطرح مفهوماً آخر للشعر، يتسع للكتابة الشعرية خارج الوزن- أو لكتابة الشعر، نثراً، شريطةَ أن يَخرُجَ النثر من نثريتهِ. ولهذا ركزت في هذا المفهوم، لا على الوزن، بل على طبيعةِ اللغة الشعرية- وعلى جماليتها.أنسي الحاج، وسركون بولص، وفؤاد رفقه، وشوقي أبي شقرا، نشأوا في أحضان مجلة “شعر”
وكانت المجلة مكاناً يلتقي فيه الشعر العربي بشعر الآخر غير العربي، مما يمكن أن يُعدّ استمراراً لما قام به الفلاسفة العرب ، في علاقتهم بالفلسفة اليونانية. فقد جعلوا من الآخر اليوناني عنصراً تكوينياً في نظرهم الفلسفي. ومن هنا كانت تمثل انفتاحاً فنياً وثقافياً، يذكر باللحظات العُليا من تاريخ العرب في انفتاحهم على ثقافات الشعوب الأخرى.
وكانت المجلة الى ذلك مناخاً لمسلكية شعرية جديدة. فقد أنشأت ندوة أسبوعية باسم “خميس شعر” كان الشعراء المقيمون والضيوف العابرون يلتقون فيها، ويقرأ من يشاء منهم آخر ما كتبه، أو بعض ما كتبه، ثم يتناقش الجميع في ما سمعوه، بحرية كاملة، ومحبة كاملة.
وكشفت المجلة عن مواهب كثيرة، واحتضنت شعراء، وأطلقت آخرين. ان شعراء مثل أنسي الحاج، وسركون بولص، وفؤاد رفقه، وشوقي أبي شقرا، تمثيلاً لا حصراً، نشأوا في أحضان مجلة “شعر”. وساعدت الكثيرين في نشر نتاجهم الشعري. وصدرت عنها أهم المجموعات الشعرية العربية التي لا تزال تهيمن على اللغة الشعرية العربية، بشكل أو بآخر، قليلاً أو كثيراً. بدءا من “انشودة المطر”، ومرورا بـ “أغاني مهيار الدمشقي” و”النهر والرماد”، و”البئر المهجورة” وانتهاءً بـ “لن”، تمثيلاً لا حصراً.
وكانت المجلة في هذا كله المنارة، والطريق الملكية الى حداثة الشعر العربي.ثمة شعرية عربية عالية، غير أنها قليلة
ربما أخالف الكثيرين في الرأي. فأنا اعتقد ان المشهد الشعري العربي غني، على الرغم من أنه قليل التنوع. وليست المسألة في الكم العددي. بل في النوعية. وأظن أن ثمة نوعية شعرية عالية، غير أنها قليلة. وأنا هنا أتحدث، بخاصة، عن الشعراء الذين تلوا حركة مجلة “شعر”، ويملأون الساحة الشعرية اليوم.
وأعتقد أنه سيكون أمراً غير تاريخيٍ، وغير حقيقي، كل حديث عن الشعر العربي اليوم لا يَرى أن التأثير الأول في هذا الشعر نابعٌ من هذه المجلة. وهو تأثيرٌ لا يتصل بطرق التعبير وحدها، وانما يشمل كذلك قضايا النظر الى الشعر، والى المشكلات التي يطرحها الابداع الشعري، بعامة.“مهيار” مثل “زرادشت” نيتشة و”فاوست” غوتة و”مالدورور” لوتريامون
لا أعرف شاعراً عربياً قديماً ابتكر شخصية رمزية لكي يتحدث، باسمها وعبرها، عن شواغله وأفكاره ورؤاه. نجد ذلك ، على العكس، في تراثنا النثري: كليلة ودمنة لابن المقفع، على سبيل المثال.
هكذا، لا شك في أن وراء ابتكاري لشخصية “مهيار الدمشقي”، تأثراُ بنماذج غربية: زرادشت نيتشه، فاوست غوته، مالدورور لوتريامون.
وهناك بعض النقاد العرب خلطوا بين شخصية “مهيار الدمشقي” والشاعر مهيار الديلمي، وليس ما يجمع بينهما غير الاسم “مهيار”. ما عدا ذلك، لا صلة بينهما، اطلاقاً، على أي مستوى.
وقد أردت من ابتكار هذه الشخصية أن أخرج من الخطاب الذاتي الشعري المباشر، وأن أقول عالمنا بلغةٍ غير ذاتية، لغة رمزية تاريخية- موضوعية، ينطق بها شخصٌ-رمزٌ وأسطورة في آن. وهو، في ذلك أكثر من قناع. انه بؤرة تتلاقى فيها أبعاد الثقافة العربية، في شاغلٍ رئيسي محوري: تجاوز العالم العربي القديم، الى عالم عربيّ جديد.“مهيار الدمشقي” مرحلة فاصلة في الكتابة الشعرية العربية الحديثة
كتاب “أغاني مهيار الدمشقي” هو، في ذلك، مرحلة فاصلة في الكتابة الشعرية العربية الحديثة. ونعرف كيف تكاثر، بعده اللجوء في كتابة الشعر لاحقاً، الى الرموز والأقنعة التاريخية.
وكان لاقامتي في باريس دور كبير في هذا الكتاب. فهذه الاقامة أتاحت لي أن أقيم مسافة بيني وبين المكان الذي أجيء منه وأنتمي اليه. أتاحت لي، بتعبير آخر، أن أحسنَ فهمه، وأحسن الاصغاء اليه. وهذا مما أتاح لي، بدوره، أن أزداد تعلقاً به، وأن يتعمق انتمائي اليه. فالبعدُ عن هذا المكان هو الذي قرّبني اليه.
وساعدتني هذه الاقامة على رؤية مكان آخر مختلفٍ على جميع الأصعدة، وعلى الاتصال الحيّ بشعرائه، وتراثه، وأجوائه، ومناخاته وابداعاته. وهذا كله كان بالنسبة اليّ كمثل مرآة ابتكرها الآخر، وأرى، فيما أنظر اليها، الى تاريخي وثقافتي، والى نفسي أولاً، مِمّا وَلّد تأثيرات متنوعة.“الكتاب” مثل شريط سينمائي جامع
هذا التحول بدأ في “كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل”، وكانت القصائد الثلاث اللاحقة التي صدرت في مجموعة خاصة بعنوان “وقت بين الرماد والورد” ذروة هذا التحول. والقصائد الثلاث هي: “هذا هو اسمي”، “مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف”، و”قبر من أجل نيويورك”.
ففي هذه القصائد نرى، عدا البنية التشكيلية الشبكية- المسرحية، تخطيّاً للنوع، أي مَزْجاً بين الشعر والنثر، مما لم يكن معهوداً ولا مقبولاً في الكتابة الشعرية. فهذه القصائد هي أيضاً تحوّل حاسمٌ في هذه الكتابة نفسها. ويمكن بسهولة أن نرى تأثيرها البالغ، في الكتابات العربية اللاحقة.
وليس “الكتاب: أمسِ، المكان، الآن” إلا إيغالاً في هذا التحول. حيث أصبحت القصيدة الغنائية القصيرة- المفردة، ضيقة على الشعر. ولم تعد تَتّسع له إلا مساحةٌ بحجم التاريخ. هكذا يتمسرح التاريخ العربي في هذا الكتاب، كأنه شريط سينمائي جامع، ترى في كل منظر منه، أي على كل صفحةٍ من هذا الكتاب، كيف تتقاطع الأزمنة الثلاثة، وكيف يتلاقى الذاتي والموضوعي، وكيف يتصارع القديم والجديد.
فليس هذا الكتاب مجرد “حفر أركيولوجي في الجانب المظلم من التاريخ العربي” كما تعبّر، وإنما هو حفرٌ شاملٌ في هذا التاريخ، بوصفه كلاًّ لا يتجزأ، بجوانبه المظلمة وجوانبه المضيئة على السواء. اضافة الى ذلك الصوت الخافت، تحت التاريخ أو على هامشه، أو ما وراءه- والذي أصفه بأنه صوتٌ من لا أحدٍ، لأنه صوتٌ الكلّ. وهو ما يتمثل، على نحو خاص، في القسم الأسفل من مَتْن كل صفحة في الكتاب.صوفية المنهج، لا صوفية الإيمان الديني
لا أريد أن أكرر ما قلته في هذا الكتاب. وأشير أولاً الى أن الصوفية التي أتحدث عنها انما هي صوفية المنهج، لا صوفية الإيمان الديني. فأنا أتحدث عنها بوصفها طريقةً، لا بوصفها تديناً أو مضمونا دينيا. كما يمكن الحديث، مثلاً، عن الأفلاطونية أو عن الهيغلية، أو عن الماركسية، بوصفها طريقةً في مقاربة العالم، وبصرف النظر عمّا يقوله أو يؤمن به أفلاطون أو هيغل أو ماركس.
هكذا أوجز أسس الطريقة الصوفية في مقاربة العالم:
أولاً: “الظاهر”، ظاهر العالم والأشياء، ليس مكاناً للحقيقة، أو للمعرفة الحقيقية، ولا مصدراً. هذا المكان وهذا المصدر نجدهما في “الباطن”- باطن العالم والأشياء.
و”الباطن” هنا يقابل، في السوريالية، ما يسمى بـ “ما وراء الواقع”.
ثانيا: “الظاهر” متغير عابرٌ، مُنتهٍ. أما “الباطن” فحركةٌ لا نهائية. وتبعاً لذلك، ليست “الحقيقة” نقطة ثابتة، نصل اليها ونقبض عليها. وإنما هي انبثاق لا نهائيٌ، في تجليات لا نهائية. وهي، اذن، ليست جاهزة، وإنما هي اكتشافٌ دائمٌ.
وتأسيساً على ذلك، فإن المعرفة لا نهائية.
ثالثاً: اكتشاف الحقيقة يحتم على الانسان أن يتجرد من “الظاهر”، وأن يتعالى على جسده، أو أن “يقتله”، لكي يتحول الى شفافية خالصة تمكنه من الوصول الى شفافية “الباطن”، حيث تكمن الحقيقة.
ويَصل الصوفي الى هذه الحالة من التطابق بين الشفافتين: شفافية الذات، وشفافية المادة، بأنواع من التدرب والرياضة “تميت” الجسد و “الظاهر”. (ويصل اليها السوريالي، اصطناعاً، بأنواع من التخدير).“كلّ مكانٍ لا يؤنث لا يُعوَّل عليه”
رابعاً: في نقطة التطابق هذه بين الشفافيتين (ويسميها أندريه بريتون: النقطة العليا) تزول الفروقات والتناقضات بين الأدنى والأعلى، بين الظاهر والباطن، وتتم “الوحدة” بين الانسان والله عند الصوفي (تتم المعرفة الحقيقية، عند السوريالي، أو يتم الكشف)،
خامساً: هذه النقطة هي مكان الانخطاف، مكان لا سيطرة فيه للعقل، أو للجسد، أو للظاهر، وهي التي تتيح للصوفي أن يكتبَ شطحاته، بوصفها إملاءً من فَم الغَيبِ الكوني. ( و”الكتابة الآلية” عند السورياليين هي ما يقابل “الشطح” عند الصوفيين).
(استطراداً: سقطت جميع الكتابات الآلية السوريالية، وليست لها أية قيمة شعرية. أما الشطح الصوفي فلا يزال اشعاعه الشعري متوهجاً كأنه كتب اليوم).
سادسا: ليس للكون حدّ. ليس للحقيقة ولا للمعرفة حدُّ. والكون في ولادة دائمةٍ، وتجدد دائم. والانسان في هذا كله المركز والمحور. انه الكون مصغراً. وفيه “ينطوي العالمُ الأكبر”.
أكتفي بهذا القدر. ومن أراد أن يتوسع فما عليه إلا أن يرجع الى كتاب “الصوفية والسوريالية” – ليرى أيضاً مكان المرأة- الأنوثة ودورها في الوصول لا الى المعرفة والحقيقة، وحدهما، وإنما أيضاً الى “الألوهة”- خصوصاً أن “كلّ مكانٍ لا يؤنث لا يُعوَّل عليه”، كما يقول ابن عربي.قلبي على بلدي انفطر … وقلب بلدي علي حجر
13 سبتمبر، 2001 الساعة 6:10 ص #342638خالد
مشاركالحلقة الاخيرة من سيرة الشاعر العربي الكبير أدونيس: زرت المركز الاسلامي ومسجده في بكين، فاستقبلتني امرأة جميلة اسمها فاطمة
_______________اهملت دراسة اللغة الفرنسية وغرقت في باريس
كانت باريس الصدمة الأولى في زياراتي لمدن العالم. قرويّ فقيرٌ لم يكن يحلم حتى برؤية دمشق أو بيروت، وها هو في باريس. كان الواقع كمثل الحلم. وقد بقيت في باريس فترة لا أعيشها إلا بوصفها حلماً. مرةً، سِرتُ منتشياً من برج ايفل الى مقهى الدوماغو، تحت رذاذ مطر خفيف. تبللت طبعا- ثيابي وجسدي. واخترقت الماء والحصى نَعْلَ حذائي. وما كان أسعدني. ربما، بسبب من سيطرة هذا السحر، لم أقدر أن أتابع دراسة الفرنسية في مدرسة “الأليانس”- فبعد اسبوع من دخولي اليها، قررت أن أهجر الدراسة نهائياً. وغرقتُ في التعرف على المدينة- حيّاً حيّاً، وشارعاً شارعاً. غرقت كذلك في التعرف على شعرائها وكتّابها، وعلى نشاطها الثقافي بقدر ما كنت أستطيع.
وفي فترة قصيرة، نسبياً، أقل من سنة، تعرفت على عدد من أهم الشعراء: هنري ميشو، بيار جان جوف، ايف بونفوا، ميشال ليريس، أندريه دوبوشيه، جاك بريفير، جان فولان، بيار ايمانويل، ألان بوسكيه، ألان جوفروا، جان-جاك لوبيل، هنري توماس، غابرييل أوديزيو وآخرين. ونشأت بيني وبين بعضهم صداقة لا تزال قائمة حتى الآن.
غيللّفيك، وشعراء وكنّاب آخرون كثيرون تعرفت عليهم، فيما بعد، في السنوات اللاحقة بعد 1960-1961.
ولا أنسى لقائي في 1961 بالشاعر باول تسيلان، وببعض الشعراء الأميركيين: غينسبرغ، وغريغوري غورسو. ولا أنسى لقائي، خصوصاً بالشاعر أوكتافيو باث.
من هذا كله، تعلمت كثيرا، واختزنت كثيراً.
لم أر سيارة خصوصية واحدة في بكين
وفي زياراتي لمدن أخرى، كنت أشعر أن باريس تهيمن عليّ. أنها تحول دون أن تدخل الى نفسي أية مدينة أخرى غيرها. وكنت أشبّهها بين المدن، بالنسبة اليّ، باللغة العربية بين اللغات: فاللغة العربية مقيمة في كل خلية من خلاياي، وهي تحولُ بِغَيرة عنيفة، دون أن تدخل الى نفسي أية لغةٍ أخرى. كأني مُلكٌ خاصٌ لها.
في طوكيو- أخذت بالأسواق الشعبية. بعلب الكبريت في مقاهيها وفنادقها. كل علبة تحفة. جمعت عددا منها، لا أزال أحتفظ به حتى الآن. أعجبتُ كذلك بِدُماها. وتحتفظ ابنتي أرواد بمجموعة متنوعة منها، أهديتها إياها.
في بكين وشنغهاي، يلزمني وقت آخر. أذكر أنني لم أر سيارة خصوصية واحدة في بكين حين زرتها. وتلك السيارات الرسمية، القليلة جدا، والتي لا تراها في الشارع إلا نادرا، حين تُقل ضيفاً- سيارات بائسة سوداء، كأنها توابيت تتحرك على الأرض.
لا ترى إلا أفواج الدراجات- غادية رائحة، كان ذلك مؤثراً جداً. وكان رائعاً.
الملك حقاً للشّعب. (يقال: تغيّر اليوم كل شيء).
أذكر أيضاً أنه رافقني في رحلتي داخل بكين وشنغهاي وما حولهما، كاتب منتدب من اتحاد الكتاب، ومترجم. وأينما ذهبنا كنت آكل وحدي، وكانا هما يأكلان مع آخرين. استغربت، وحزنت. قررت أن أسألهما عن السبب. وكان الجواب هو أنني ضيف الصين. وبوصفي ضيفاً يُقدم لي طعام خاص. أما هما فلا يحق لهما إلا الأكل من طعام الصينيين اليومي ومعهم- فلا فرق بين الكاتب والفلاح والعامل.
الكل سواء: (يقال أيضاً: تغيّر اليوم كل شيء).
وكان ذلك جميلاً، ومؤثراً جداً.
لم أكن رأيت قبله عشاءً في مثل هذا البّذْخ
غير أنني، في قرارة نفسي حزنت لسبب يتعلق بي: أشعرني بامتيازٍ كنت أحب ألا أُخَصَّ به. كنت أحب، على العكس، أن آكل معهم- غير أنني لم أكن قادرا على المطالبة بذلك.
أذكر كذلك ان اتحاد الكتاب دعاني الى العشاء في مطعم في بكين. جلسنا حول مائدة مستديرة، ومتحركة. وأخذت أطباق الطعام تتوالى- تِسع أو عشر مرات، على ما أذكر. وكنت شبعت تقريباً من الطبق الأول. كان عشاء- عيداً، لم أكن رأيت قبله عشاءً في مثل هذا البّذْخ- لكن الأنيقِ، البسيطِ، المدهش، الطيّب.
ولا أريد هنا أن أتحدث عن الحوارات التي دارت بيني وبين بعض الشعراء والكتّاب والنقاد في بكين وشنغهاي، حول الكتابة والسياسة والايديولوجيا، والحاضر والمستقبل، والغرب والشرق، والاسلام. فذلك أمرٌ آخر.
عندما زرت مسجدها، أخذ الناس يلمسون ثيابي ويتبركون لأنني آتٍ من جهة المدينة المنوّرة!
وأختم بأمرين: زرت المركز الاسلامي ومسجده في بكين، فاستقبلتني امرأة جميلة اسمها فاطمة، كانت، فيما قيل لي هي التي تشرف على شؤونه.
وزرت السّور المشهور. ووقفتُ في الطواف عند نقطة لم أشأ أن أمضي الى أبعد منها. فعلق المترجم، ضاحكاً: الى هذه النقطة بالضبط، وصل نيكسون، ولم يشأ هو أيضاً أن يمضي الى أبعد.
أتمنى، برغبة عارمة، لو يتاح لي أن أزور الصين، أو بكين وشنغهاي، مرة ثانية. ولقد كتبت عن زيارتي الأولى، وسوف أضم ما كتبته الى مذكراتي وأنشره في وقت لاحق.
نيويورك هي المدينة الثانية التي أحدثت فيّ انقلاباً نفسياً وفكرياً، بعد باريس. جهنم الفكر- جنّة الحواس، في جسد واحد.
لا أستطيع أن أتحدث الآن عنها. أكتفي بالقول: لو أستطيع أن أزورها كل شهر، لما ترددت. وأدعو قارئي الى قراءة القصيدة التي كتبتها عنها: “قبر من أجل نيويورك”.
موسكو؟ قرية. لذلك لم يهمني فيها المكان. همّني البشر. عرفت فيها عددا من شعرائها الأكثر شهرة: يفتوشنكو، فوزنيسكي، بيلا أحمدولينا: امرأة ساحرة- سهرنا معاً مرةً، سكرت، صعدت الى البيانو وأخذت ترقص. امرأة ساحرة.
آلما آتا- عاصمة كازاخستان: مدينة اسلامية، داخلة في جوقة المدن الشيوعية التي تريد أن تغيّر العالم- لا في اتجاه الاسلام، بل في اتجاه الشيوعية. وعندما زرت مسجدها، أخذ الناس يلمسون ثيابي ويتبركون لأنني آتٍ من جهة المدينة المنوّرة!
ماذا أيضاً؟ يكفي.
الشرق والغرب مصطلحان جغرافيان
الشرق والغرب، بالنسبة اليّ، مصطلحان جغرافيان. ففي الشرق أنواع كثيرة من الشرق. وفي الغرب أنواع كثيرة من الغرب. حضارياً، الكون واحدٌ- والفرق في هذه البقعة أو تلك، فرق في الدرجة لا في النوع.
غير أن السياسة الغربية- الأميركية على الخصوص لا تُحبّ هذا النوع من الكلام الشعري البسيط- لكن الحقيقي. تريد، على العكس، أن “تُعَوْلِمَ” الكون في سوق واحدة تهيمن عليها. تريد أن تذوِّب “الشرق” في “الغرب”- غربها، لا تريد أنداداً، أو مشاركين، أو محاورين- وانما تريد تابعين، سامعين، طائعين.
وهي آخذة في تحقيق ما تشاء. إلا….
أجد نفسي أقرب الي نيتشه وهيدغر ورامبو وبودلير، مني الى كثيرٍ من الكتّاب والشعراء والمفكرين العرب
أنفرُ كثيراً من المثقفين العرب الذين يأخذون الغرب بوصفه كتلة واحدة، ينتقدونها ويدعون الى نبذها. والغريب أنهم لا ينتبهون الى أنهم ينتقدون بلغة صاغها الغرب الثقافي نفسه، وبمفهومات وضعها مفكروه وفلاسفته.
ان النقد العميق الجذري للغرب التقني- الاقتصادي العسكري لم يجيء من المفكرين العرب، وانما جاء من مفكري الغرب وفلاسفته وشعرائه.
وأنا شخصياً أجد نفسي أقرب الي نيتشه وهيدغر، الى رامبو وبودلير، الى غوته وريلكه، مني الى كثيرٍ من الكتّاب والشعراء والمفكرين العرب. ان وطن الابداع الثقافي لا يتطابق، بالنسبة اليّ، مع الوطن الجغرافي. وأنا، في التحليل الأخير، مع الوطن الأول. ونضالي كلّه يتمحور حول هذا الهدف: أن يصبح وطني الجغرافيّ جزءاً عضوياً من هذا الوطن الكوني الابداعي.
لا شرق، لا غرب: بل الانسان الواحد والكون الواحد.
لا أقول ان الشعر، لا يُترجم، بل أقول انه يخسر كثيراً في الترجمة
شعرياً، لا أعد نفسي معروفاً باللغة الانكليزية. يبدو ان بين لغتي الشعرية واللغة الانكليزية بَرزخاً لا يمكن عبوره. مع ذلك آملُ، ذات يوم، ذات مُعجزة…
في ما يتعلق بالترجمات الى اللغات الأخرى الفرنسية، والاسبانية، والايطالية والسويدية والألمانية، اضافة الى اليونانية والتركية- يبدو أنها ناجحة. خصوصا الفرنسية والأسبانية والألمانية.
هناك ترجمات أخرى في لغات أخرى: الدانمركية (مجموعة شعرية)، والايرانية، والصينية، واليابانية (قصائد متفرقة) والفيتنامية (مجموعة شعرية)- لكن، لا أعرف ماذا أقول عنها، كل ما أعرف ان شعراء يقومون بهذه الترجمات، إلا في اليابانية والصينية، فالمستعربون هم الذين يترجمون. وأعرف جيدا الشاعر الدانماركي الذي ترجم “أغاني مهيار الدمشقي”، وهو من أهم الشعراء في بلاده.
لا أقول ان الشعر، لا يُترجم، بل أقول انه يخسر كثيراً في الترجمة التي لا بُدّ منها. يخسر، على الأقل، الخصوصية الموسيقية في لغته الأصلية، وهذا ليس قليلاً. يخسر أيضاً نوعية العلاقة في لغته الأصلية بين الكلمة والكلمة، وبين الكلمة والشيء أو الفكرة: وهذا أيضاً ليس قليلاً.
لهذا يجب التعويض. وشروطه لا تتوفر إلا في مترجم هو نفسه خلاق- يتقن لغته اتقاناً شعرياً كاملاً، ويعرف لغة الشاعر الذي يترجمه، وعالمه الشعري معرفة عالية. بحيث يقدر أن يقدم في لغته نصّاً عالياً يوازي النص الذي يترجمه. وأعتقد ان هذا موجود. فهناك ترجمات شعرية في مستوى الأصول المترجمة. غير أنها نادرة جداً.
أدهشني فيلم “تايتانيك”
السينما، بوصفها فنّاً- أو اسلوباً فنياً في مُقاربة العالم، يمكن أن تكونَ الفن الشامل، أي الفن الأكثر شمولاً وكمالاً- بحيث تذوب فيها وتنصهر جميع الأشكال الفنية الأخرى، ومن ضمنها الشعر نفسه. وعلى هذا المستوى، هي فن المستقبل.
يبقى التطبيق، الممارسة. وهذا عائد الى (الموهبة) من جهة، والى الامكانات المالية والاقتصادية، من جهة ثانية.
غير أن الطابع الغالب، اليوم، على النتاج السينمائي، هو، مع الأسف، طابع الرداءة: الابتذال الجنسي والعنفي، و”سُكّريات” الأنوثة. مع ذلك، تظهر بين وقت وآخر، بعض الأفلام المدهشة. “تايتانيك” مثلٌ راهن.
ومن بين الأعمال السينمائية الكبرى أذكر أعمالاً يابانية، وايطالية وأميركية وروسية. نسيت أسماءها بالتفصيل، لكنها انجازات فنية كبرى.
أعشق السينما. وأعتقد أن بنية الصفحة في كتابي الأخير: “الكتاب: أمس المكان الآن”، مستفادةٌ من الفن السينمائي.
فنّ القصّ بالصورة الحية- جسداً وحركةً وحياةً يومية، وأشياءَ البيوت والشوارع والمدن والأرياف والبحار والجبال والسماء والأرض- مشحوناً بالفنون الأخرى، فن المَسْرحة، وفن التصوير الفوتوغرافي، وفن الشعرية- نظراً واخراجاً ونصّاً، وفنّ الموسيقى- اضافة الى فنون أخرى، كالرقص، مجتمعا كلّه، في مكان واحد على الشاشة الواحدة، هذا الفن- أكرر- هو فن المستقبل. لأنه هو وحده الفن الذي يمكن أن يكون مُحيطاً. يبقى النفاذ الى أعماق الانسان ومشكلاته- وهذا، كما قلت، تابعٌ لعبقرية المؤلف والمخرج والممثل.
أعشق السينما. وأعتقد أن بنية الصفحة في كتابي الأخير: “الكتاب: أمس المكان الآن”، مستفادةٌ من الفن السينمائي.
يوسف الخال والفن التشكيلي
أسعدني كثيراً أن أكتب عن بعض الفنانين العرب، الأكثر أهمية في الوقت الحاضر، أو أن أقدّم لمعارضهم. وأسعدني كثيراً أيضاً أن أعمل مع بعضهم على كتبٍ مشتركة شعرية- تشكيلية، بطباعة فاخرة، ونسخ محدودة ومرقمة. ويؤسفني ان الصلة، ابداعياً، بين الشعر والرسم تكاد أن تكون شبه منعدمة في البلاد العربية. اجمالاً، لا تفاعل ولا تآخيَ بين الفنون عندنا. وهذا دليلٌ على نقصٍ في المعرفة، ونقصٍ في الخبرة.
هذه مناسبة لأختم هذا الحديث بتحية الى يوسف الخال الذي عُني بالحركة الفنية التشكيلية العربية عنايته بالحركة الشعرية. وكلنا نعرف الغاليري التي فتحها لهذه الغاية باسم غاليري ألف.
أحييه متذكراً أيامه الأخيرة في باريس حيث كان يحارب الداء، وقبيل رحيله الأخير. كنّا نحبّ في جلساتنا أن نتذكر البدايات: بدايات لقائنا في بيروت، في أواخر اكتوبر 1956، في مطعم نصر- الروشة، وبدايات عملنا لاصدار العدد الأول من مجلة “شعر” في المطبعة بمحلة الزيتونة، في ديسمبر من السنة نفسها.
كنّا كمثل طفلين لا يُصدّقان أن ما بين أيديهما تتكون كرة تمتلئ بأشياء تضجّ بالرغبة والرهبة في آن
كنا نستعيد حواراتنا وأفكارنا وآراءنا. كنّا نستعيد كذلك لحظات الفرح- ثالِثنا، في التساؤل: بأية قصيدة نفتتح العدد الأول، ما المادة النقدية التي يحسن أن نبدأ بها، ما الترجمات الشعرية، ما لون الغلاف؟ كنا نستعيد أيضاً لحظات الدخول الى المطبعة، ورؤية عمالها، خصوصاً المعلم جورج، والحديث معهم حول شكل تنضيد القصائد واخراجها، واختيار الحروف الخاصة بالعناوين، واختيار الورق للعدد الأول، وتصحيح ملزمته الأولى. كنّا كمثل طفلين لا يُصدّقان أن ما بين أيديهما تتكون كرة تمتلئ بأشياء تضجّ بالرغبة والرهبة في آن. وكنا في الوقت نفسه كمثل بالغين يعيان أن ما يقومان به سيشكل حدّاً فاصلاً يكونُ بداية لمفهوم آخر للشعر، وبداية لتاريخ شعريّ آخر.
اليوم، بعد أربعين سنة على صدور العدد الأول، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على رحيله، أنظر، أقرأ، أتأمل. مطعم نصر لا يزال “وفياً” حيث هو. المطبعة التي شهدت ولادة المجلة في عددها الأول، زالت. وهو، يوسف الخال، لا يزال كما كان في وفائه لـ”غربته” على الرغم من انه “خُلِقَ أَلُوفاً” لا يفهمه إلا قلّة.
ولا يزال الشعر العربي زيّاً “قومياً”- “وطنيا”، أو مجرد “زيّ”. ولا يزال الكلام عليه يجري، غالباً، لا بالشعر وأدواته، بل بالعلاقة والجوار والقرابة والوظيفة والوطنية والسياسة والايديولوجيا والمنفعة والحزب والمصلحة والانتماء والنضال والادعاء وخُذ وهاتِ…
أرض لم يبق لها، حضارياً، إلا الشّعر
الكياني، الكوني، الانساني: ما لا قوام للشعر إلا به، تُسدل عليه الحجب، في جميع الأبحاث التي تتناول مجلة “شعر”- قصيدته الكبرى، فتجزأ قضيتها وهي الكل الذي لا يتجزأ، ويُشوّه بذلك معناها، وتشوه أطروحاتها.
قضية الشعر العربي- هذا الجسم البديع، الفريد، المدهش الذي يختزن ألفي سنة من التجارب، مندرجاً بين أعظم ما أنتجته البشرية من شعر في تاريخها كلّه: هذه القضية كلها تختزل، عِبْر اختزال أطروحات مجلة “شعر”، في ثوب هذا الجسم، في مجرد الثوب: هل الخيوط التي نسج بها موزونة أم منثورة؟ هل هو “غامض” أم “واضح”. هل هو “وطني”- “نضالي” أم لا؟
هكذا، على الشعر هو أيضاً، كما يبدو، ان يزول في أرض لم يَكَدْ يبقى لها، حضارياً، إلا الشّعر.قلبي على بلدي انفطر … وقلب بلدي علي حجر
-
الكاتبالمشاركات
- يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.