الرئيسية › منتديات › مجلس شؤون العائلة › قسوة القلب
- This topic has 4 ردود, مشارك واحد, and was last updated قبل 24 سنة، 3 أشهر by
طـــلال.
-
الكاتبالمشاركات
-
9 ديسمبر، 2001 الساعة 7:04 ص #352396
طـــلال
مشاركرابعاً: ما هي أسباب القسوة:
في التشريع الإسلامي كمّ من الروايات المهمة التي تبلور الأسباب التي تؤدي إلى قسوة القلب، وبُعده عن روح الفطرة الإنسانية، ومن هذه الأسباب:
1 ـ الاستجابة العصبية الشادة:
ولها عدة صور:
أ ـ كثرة الذنب:
يقول أمير المؤمنين (ع): « ما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب »[17].
ويصوّر لنا الإمام الباقر (ع) مثالاً حيوياً محسوساً لأثر الذنوب على الإنسان، فيقول: « ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غُطّي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجلّ: ( كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[18] »[19].
فالشعور بالذنب يسبب الشعور بالنقص، لأنّ فطرته قد تلوثت بما يكدرها، ويشعره ذلك بالقلق أيضاً، مما يؤدي إلى نشوء أعراض من الأمراض النفسية.
ب ـ استماع اللهو:
حرّمت الشريعة الإسلامية الاستماع إلى الغناء الذي يجسد استجابة عصبية شاذة، مصدرها انفعال حاد فيما لا يتساوق مع التوازن الداخلي للشخصية، وهو توازن طالما يلحّ التشريع على تحقيقه.
ولنا أن نعرف أنّ هناك جذراً نفسياً لظاهرة الغناء قائمة على أسس توازنية، فالغناء ينمّي النزعة العدوانية عند الشخصية متمثلة في ظاهرة القسوة.
يقول الرسول الأكرم (ص): « ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو،…”[20].
ويقول (ص): « أربـع يفسدن القلب وينبتن النفـاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: استماع اللهو، …»[21].
ويقول الإمام الصادق (ع): « الغناء يورث النفاق »[22].
فالروايات الشريفة تعكس حالة مرضية، وهي قسم من الأمراض السيكوباتية، حيث تشير إلى مؤشر مرضي في الشخصية وهي (القسوة)، وما تفرزه من أنماط عدوانية في السلوك بالغة الخطورة على صعيد الواقع الخارجي، وهي التي تسمى بالشخصية القاسية التي انتزعت منها الرحمة، أو على صعيد النفس وهو التذمر من كل شيء جميل في شخصيته.
2 ـ أسباب اجتماعية:
ولها عدة صور:
أ ـ الشره: ويقابلها مفردة (القناعة).
ينبذ التشريع الإسلامي حالة الشره الذي ليس له معيار عام، بل هو تابع للأبدان والأمزجة والأحوال، فالتشريع يطالب الإنسان بتحقيق الإشباع الحيوي، الذي يتم وفقاً لمتطلبات الحاجة بعيداً عن حالة الاستهلاك والفوضى في المجتمع، فإنّ الإشباع إذا تمّ وفقاً لما هو زائد على الحاجة فحينئذ يشكل مثل هذا الإشباع طابعاً مرضياً.
والشره ليس حالة شخصية بقدر ما هو صفة عامة قد تصبح ذات موازين شخصية، وهذا ما نلاحظه في التشريع الإلهي في باب الأطعمة، حيث يقول تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )[23]، وحيث إنّ الإنسان حريص بحكم طبيعته البشرية، يمكن أن يسيء استخدام هذين الأمرين إلى مزالق الإسراف والتبذير، حيث يمثل الإسراف كل إفراط في الكم والكيف.
وقد ورد على لسان أهل البيت (ع) نصائح مُثلى لتجنب مزالق الأمراض التي في هذا القسم:
يقول الرسول الأكرم (ص): « من تعوّد كثرة الطعام والشراب قسا قلبه »[24].
ويقول (ص): « لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإنّ القلوب تموت كالزرع إذا أكثر عليه الماء »[25].
ويقول الإمام الصادق (ع): « أقرب ما يكون العبد من الله إذا خفّ بطنه، وأبغض ما يكون العبد من الله إذا امتلأ بطنه »[26].
وأما الجانب الاجتماعي منه فهو ما وصل إليه مجتمعنا إلى فوضى المجتمعات الاستهلاكية، وسبب ذلك عائد إلى النتائج التي أفرزتها التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية الآتية من رياح الغرب، والتي انفتحت لها أبواب مجتمعنا، ونفخت لها أبواق العبودية المقنّعة.
ويشير عالم النفس الكبير أريك فروم عن هذه الحالة الفوضوية السائدة، فيقول: « ولا يكمن الخطر الذي يتهدد الدين في العالم، بل من التصرفات السائدة في الحياة اليومية. فهنا كفّ الإنسان عن البحث داخل نفسه عن الغرض الأسمى من الحياة، وجعل نفسه أداة تخدم الآلة الاقتصادية التي صنعتها يداه. فهو معنّي بالكفاءة والنجاح أكثر من عنايته بسعادته ونماء روحه، ولعل أخطر توجيه يهدد الموقف الديني على الأخص هو ما أسميته التوجيه السوقي للإنسان الحديث »[27].
يقول الرسول الأكرم (ص): « بئس العون على الدين: قلب نخيب[28]، وبطن رغيب »[29].
ب ـ كثرة الكلام:
لو افترضنا أنّ إنساناً يحمل مخزوناً علمياً، أو مهارة فنية لا شك أنّ محاولة إبراز هذا المخزون، أو هذه المهارة، سيحقق إمتاعاً نفسياً لحامله، وهو ما نسميه بـ (تأكيد الذات).
كذلك الكلام، فإنّه وسيلة علاجية للتفريج عن الأعماق.
غير أنّه لا اعتبار لهذا (التأكيد) في نظر المشرع الإسلامي، ما دام يحوم في إطار إبراز الذات، والذي يعكس بدوره تعبيراً مرضياً عن الشخصية، ولهذا نلاحظ أنّ هذا الإمتاع الشخصي لا يطفئ التوتر الشخصي في داخله، لأنّه لا يقرّ له قرار حتى يتم بالفعل تحقيق هدفه وهو إبراز مكانته، أو اقترانه بالتقدير من قبل الآخرين. وهذا من نوع البحث عن المال أو عن مركز اجتماعي، بحيث يظل الإنسان متوتراً يلهث أمام تحقيقه مما يعدم عنده حالة التوازن في داخله.
ولهذا يلمح الإمام علي بن الحسين (ع) إلى هذه النسبة بإشارة بعيدة حيث يجيب ـ عندما سئل عن الكلام والسكوت أيهما أفضل؟ ـ فقال: « لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت؛ لأنّ الله عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنّما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا تُوقّيت النار بالسكوت، إنّما ذلك كله بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنّك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت »[30].
كل ذلك إنما فرضت عبر موازين ومعايير دقيقة تبتني عليها الشخصية الإسلامية من السلامة والاستواء والاستقامة.
وعندما نتوغل في التوصيات الإلهية وما وجهته لنا من مبادئ في الصحة النفسية في هذا العنوان، نجد الكثير من هذه التوصيات، نذكر لكم بعضها:
يقول أمير المؤمنين (ع): « الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فربّ كلمة سلبت نعمة ولا تقل ما لا تعلم، فإنّ الله سبحانه قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحتجّ بها عليك يوم القيامة، هانت عليه نفسه من أمّر عليه لسانه، ومن كثر كلامه كثر خطأوه، ومن كثر خطأوه قلّ حياؤه، ومن قل حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار »[31].
فهذا المشوار الدقيق في التعبير الإسلامي بين كثرة الكلام وبين موت القلب والذي يمثل نزعة عدوانية انحرافية الناتج عن عدم إحساس الإنسان بمسؤوليته الشرعية والاجتماعية.
ج ـ كثرة النوم:
لا شك أنّ النوم من الحاجات الأساسية لدى الكائن البشري، بحيث يجسد حاجة أولية لا بدّ من إشباعها. تقول عالمة النفس لندا دافيدوف: « قد أجريت العديد من مثل هذه الدراسات رصد التأثيرات السلوكية لعدم النوم، بعد أن حرم عدد من المشتركين من النوم لعدة ليال، تعرضت نسبة قليلة من أفراد العينة ( أقل من 10% عموماً ) إلى حالة هلوسة، وهراء (آراء زائفة تخالف العقل). أما معظم أفراد العينة فردود أفعالهم أخف كثيراً: عدم الانتباه (فقدان تسلسل التفكير)، أخطاء في الإدراك، اضطراب مؤقت، حالة توهان وقلق .. ويؤدي الأفراد أعمالهم ببطء أكثر، ويحتاجون لوقت للاستجابة للمؤثرات..»[32].
ولا شك أنّ بعض الدوافع الحيوية يمكن تأجيل ممارستها كالجنس ـ مثلاً ـ دون أن يترتب على ذلك أي عوارض سيئة في الجسم أو العقل، بخلاف النوم والذي يحتاج الإنسان معه حداً أدنى من الإشباع، تتوقف حياة الكائن الآدمي عليه جسمياً ونفسياً وعقلياً.
بيد أنّ المنظور الإسلامي يظل يروي هذه النزعة الأصيلة بقدر الحاجة، وأما الزائد على الحاجة فيتحول إلى نتيجة مضادة تماماً .. تقول لندا دافيدوف في وصف مرحلة النوم الأكثر عمقاً بقولها: « وفي هذه المرحلة يحتمل الخروج عن المعتاد في النوم بما في ذلك المشي، أو التكلم أثناء النوم، وحدوث كوابيس، أو التبول في الفراش »[33].
فالنوم في المنظور الإسلامي ليس هروباً عن العمل، بل هو وسيلة للعمل العبادي في الأمة، فأي مسلم يريد لأمته الازدهار وهو هارب عنها إلى قضاياه الشخصية أو ترفه الفكري! ومن هنا إذا زاد النوم عند الإنسان تحول إلى ممارسة سلبية، وقد جاءت التوصيات الإسلامية تحذر من هذه الممارسة السلبية في أكثر من نص تشريعي:
يقول أمير المؤمنين (ع): « كثرة الأكل والنوم، يفسدان النفس، ويجلبان المضرة »[34].
يقول الإمام الصادق (ع): « كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا »[35].
ويقول الإمام الكاظم (ع): « إنّ الله عزّ وجلّ يبغض العبد النوّام الفارغ »[36].
نعم، إنّ كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا، لأنّه يختزل من فرص الحياة والآخرة من حيث توفر الإشباع، مما يوجب ذلك الضعف والكسل عن الطاعة والعبادة والنشاط، ويوجب ضياع الوقت والغفلة ونسيان الآخرة، وبمجرد فقدان الإنسان لأحاسيسه يكون قد فقد صلته الروحية بأمته الذي هو أحد أفراده.
وكأنّ هذا النوم يعكس ارتجاجاً في الشخصية، والتي أمسى الوقت بالنسبة إليها تمثل وحدة لا فوارق فيها، بعكس ما عليه الشرع الإسلامي وما أوصى به من أن يكون زمان النوم في الليل، فقد أرشد القرآن الكريم إلى الموقع الزمني للنوم في قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ )[37].
9 ديسمبر، 2001 الساعة 7:05 ص #352397طـــلال
مشاركولكن ليس عليه أن يمارس عملية النوم في كل الليل، بل للإنسان مع الليل صياغات أخرى كاستغلاله جزءاً من الليل في العبادة التي تقربه إلى الله عزّ وجلّ، ففي الرواية: « شرف الرجل قيامه بالليل ».
ومن هنا نلاحظ أنّ للقرآن رسماً لهذه الصياغة حيث يقول تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )[38]، أي أنّ شكل الزمان متنوع بحسب حاجة الإنسان، ومن ثم نفهم مراد الرواية: « إياك وكثرة النوم في الليل »[39]؛ لأنّ جزءاً منه خاضع لصياغة الإنسان مع ربه.
د ـ الثراء الفاحش:
الثروة بذاتها لا تشكل حاجة من حاجات الإنسان الأساسية، وإنّما هي وسيلة لحاجة ما، ونلاحظ المعاجم الاقتصادية تعرّف النقد بأنّ له ثلاث خصائص، كل واحدة منها تعبر عن وسيلة لشيء ما.
فالنقد في المصطلح الاقتصادي: وسيلة تسديد أو تبادل .. ووسيلة لقياس القيم المختلفة .. ووسيلة ذات قيمة محفوظة[40].
وعندما ندقق في الآيات القرآنية، نرى أنّ القرآن الكريم يومئ إلى ظاهرة المال من خلال التنديد به ولفت النظر إلى متاعه العابر، فيقول عزّ وجلّ في أكثر من آية قرآنية:
( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )[41].
( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا )[42].
( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ )[43].
( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[44].
( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا )[45].
ولكن هذه النظرة ليست نظرة مطلقة، فالشرع الإسلامي إنما ذمّ حالة، الثـراء الذي يكون في صـورة كنز الأموال كما في قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ )[46].
فإنّ أداء الزكاة يخرج المال عن صورة الكنز المحرم، حيث يقول الرسول الأكرم (ص): « كلّ مال يؤدّى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لا يؤدّى زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض »[47].
فالشرع الإسلامي جعل للمال قيمة أساسية إذا وظف بصورة سليمة، وفي القرآن الكريم عدة صياغات لأهمية المال وسياسة تعامل الشرع معه، حيث يقول الله تبارك وتعالى:
( مَثَـلُ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْـوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِـائَةُ حَبَّةٍ )[48].
( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى )[49].
( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )[50].
( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )[51].
( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )[52].
( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )[53].
فالمال عندما ننظر إليه نقول: إنّه ذو قيمة لنا، ولكن هل ننظر إلى قيمة المال قبال سلب صحتنا؟! لا يبقى قيمة للمال ما لم يقوّم مرضاً أو يشافي سقماً، ولهذا نلاحظ الشريف من الناس أو كريم النفس يتعامل مع المال إلى الحد الذي يكون معه شرفه وكرامته، وحين تُخدشان مقابل المال فإنّه يتنازل عن هذا المال مقابل شرفه وكرامته.
ولهذا يصف الإمام الصادق (ع) المال بأنّه عز للإنسان، ما دام المال وسيلة لتوفير حاجاته الأساسية.
ويرى أحد المتحذلقين الإمام الباقر (ع) في يوم صائف وقد تصبب عرقاً من العمل فابتدره قائلاً: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحالة في طلب الدنيا؟! أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال؟!
فقال الإمام (ع): « لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة من الله عزّ وجلّ، أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس »[54].
هنا يكون حرص التشريع على عزة الإنسان، وإكسابه التقدير الذاتي والاجتماعي بدلالتها العبادية، فيحثّه على توجيه دفة العمل مع ما تتناسب والشخصية الإسلامية السوية.
ولكن خطراً فاضحاً تراكم في مجتمعنا وهو ما يعرف بـ (بطالة الترف)، أو (البطر الاجتماعي) في العائلة والفرد والمجتمع.
« … فعلى مستوى العائلة والفرد هناك أطفال في السابعة أو دون ذلك من أعمارهم لديهم مربية وسائق وربما خادم يحمل حقيبة كتبه المدرسية الصغيرة. وموظف بسيط لم يتجاوز راتبه ستة آلاف ريال لديه سائق وخادم ومربية لطفلته أو طفله، وأنّه فخور بتصرفه هذا لأنّه وحسب اعتقاده قد رفع مكانته الاجتماعية في نظر الآخرين وانتقل من كونه موظفاً بسيطاً مضطهداً إلى سيد محترم مضطهد.
أو تكون حفلة غنائية من المناسبات (كالأعراس) يحصل المغني ـ ولو كان صوته نشازاً ـ على أجر ـ ولمدة لا تزيد على الساعتين فقط ـ مبلغاً يزيد على إجمالي راتب أستاذ جامعي لمدة شهور من العمل. فأي منهما المضطهَد والمضطهِد المغني النشاز أم الأستاذ الجامعي »[55].
فالثراء الفاحش واكتناز الأموال صورة من صور الإغراق في الملذات، حتى وإن كان الثراء الفاحش من حلال إلا أنّ ذلك إيحاء بكنز المال لأجل حب المال، وهذه الصورة تعكس عن وجود خلل عند أصحاب الثروات الفاحشة وعدم اهتمامهم بتحصيل الدين الصحيح
يقول أمير المؤمنين (ع): « كثرة المال تفسد القلوب وتنسي الذنوب »[56].
ونحن نرى أنّ طبيعة أصحاب الثروات يبتعدون عن مصالح أمتهم، ومصالح المؤمنين، بل القليل منهم من يمد يد العون إلى الفقراء والمحتاجين، كما أنهم يقبضون على الأموال ولا يدفعون حقّ الله عزّ وجلّ المتعلق به
9 ديسمبر، 2001 الساعة 7:07 ص #352400طـــلال
مشاركهـ ـ إتيان باب السلطان وصيد اللهو:
يقول الرسول الأكرم (ص): « ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان »[57].
و ـ الجلوس مع المترفين:
يقول الرسول الأكرم (ص): « خمسة تقسي القلوب: ترادف الذنب على الذنب، ومجاورة الأحمق، وكثرة منافسة النساء، وطول ملازمة المنزل على سبيل الانفراد والوحدة، والجلوس مع الموتى».
قيل: وما الموتى؟
قال: « كل عبد مترف ميت، وكل من لا يعمل لآخرته فهو ميت ».
وفي موطن آخر يقول الرسول الأكرم (ص): « إياكم ومجالسة الموتى ».
قيل: يا رسول الله، ومن الموتى؟!
قال (ص): « الأغنياء ».
أي الذين ما أصابوا الثروات، ولا ملكوا الكنوز ومتاع الدنيا، إلا باتباعهم طرق الفساد، من كذب، واحتكار، وربح فاحش، وبيع للقيم، وتضييع حقوق الناس، أو بميلهم إلى أسباب الضلال، فكأنّ نفوسهم قد أقفرت من روح الإيمان، وغشيتها ظلمة الشهوات.
ز ـ الاعتزال:
لا يشك أمرؤ أنّ الانعزال والانفراد ممارسة غير صحية، بل ممارسة غير طبيعية، فإنّ الناس بحاجة إلى الناس، والإنسان بطبيعته اجتماعي مدني.
ولقد قامت عالمة النفس الاجتماعية باتريشيا بسؤال طلبة الجامعة عن موضوع وهو: أي ظروف أخرى يبحث الناس عن الاتصال البشري؟ فالكثير من الطلاب أعلنوا عن احتياجهم إلى أن يكونوا على مقربة من الآخرين حينما يكونوا سعداء أو في حالة نفسية طيبة، وكذلك حينما يكونوا بصدد مواجهة موقف غير مألوف أو شعور بالذنب أو حينما ينتابهم القلق بخصوص مشكلات شخصية خطيرة…[58]
وقد أشار الرسول الأكرم (ص) ـ في الحديث السابق ـ في قوله: « وطول ملازمة المنزل على سبيل الانفراد والوحدة » إلى أنّ أحد أسباب قسوة القلب الانعزال والانفراد.
ح ـ الغفلة:
يقول الإمام الباقر (ع): « إياك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب »[59].
يقرر العلماء بأنّ الغفلة إحدى روافد النسيان، فالنسيان له ثلاث مراتب وهي:
1 ـ النسيان الذي يطرأ في الذهن على الأحداث وأسماء الأشخاص والمعلومات المختلفة التي اكتسبها الإنسان من قبل، وهو النسيان العادي الذي يتعرض له الناس نتيجة تزاحم المعلومات وتداخلها، وقد أشار القرآن الكريم إليه في قوله تعالى: ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)[60].
2 ـ النسيان الذي ينطوي على معنى السهو، كما ينسى الإنسان شيئاً في مكان ما، أو كما يريد أن يتكلم مع شخص ما في عدة أمور فيتكلم عن بعضها وينسى البعض الآخر فلا يذكره إلا فيما بعد، ومنه قوله تعالى ـ على لسان موسى (ع) ـ: ( قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ )[61].
3 ـ النسيان بمعنى ذهاب الاهتمام بأمر ما وهو الذي عنته الروايات بـ ( الغفلة )، بحيث يكون في قلبه فتور عن عهد الله عزّ وجلّ، ومن أمثلة هذا النوع ما جاء في قوله تعالى: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )[62].
ولا شك أنّ الغفلة في مثل هذه المقامات هو طغيان محبوب لا يناسب تزاحمه مع علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، فإنّ المؤمن ينبغي أن لا تتزاحم رغباته وأمانيه وهواه في قلبه لأنّه يعرف أنّه لا يمكن اجتمـاع محبتين وشوقين في قلب واحـد، وقد قال تعالى: ( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )[63]، فهل يرضى الإنسان أن يُنافق عليه من قبل الآخرين ؟! فكيف يقبل حينئذ أن يكون منافقاً مع الله، وأين واقع التسليم لله.
ووسيلة الشيطان في إغواء البشر ودفعهم إلى نسيان ذكر الله ونسيان ما فيه صلاحهم هو التأثير عليهم من ناحية دوافعهم وشهواتهم، وهي نقطة الضعف في الطبيعة الإنسانية.
فالإنسان أمام خطين في أحدهما التسامي والتكامل، وفي الآخر التلوثات والتسافل.
فالإنسان إذا كان ناسياً لله تعالى فإنّه يكون ناسياً لمسؤوليته المعنوية مائلاً إلى العصيان متبعاً للأهواء والغرائز ولا يبالي بواجباته الإنسانية، وأما إذا كان ذاكراً لله عزّ وجلّ فإنّه يتنبه إلى مسؤوليته المعنوية ملتزماً لأوامر الله في قوله وفعله.
ومن هنا حرص أهل البيت (ع) على معالجة الغفلة بذكر الله مصداقاً لكثير من الآيات الشريفة في ذلك:
( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ )[64].
( اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا )[65].
وفي المروي عن الإمام الصادق (ع): « من كان ذاكراً لله على الحقيقة فهو مطيع، ومن كان غافلاً عنه فهو عاص. والطاعة علامة الهداية، والمعصية علامة الضلالة، وأصلهما من الذكر والغفلة »[66].
ولكن بشرط أن لا يكون الذكر مجرد حالة طارئة في حياة البشر، فيما يمارسه من صلاة معينة أو ذكر واجب أو مستحب، بل يكون حالة مستمرة يستشعرها الإنسان في قلبه وفي لسانه حتى يكون حضور الله في قلبه الحضور الحي.
نعم، قد ينتاب الإنسان في بعض الحالات نوع من وسوسة الإثم والأوهام الشيطانية بسبب تحريك الغرائز والميول الباطنية، إلا أنّ المؤمن الذي لم ينسَ مسؤوليته فإنّه يلجأ في أمثال هذه اللحظات المضلة إلى قوة الإيمان وذكر الله لطرد تلك الوساوس.
يقول الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)[67].
وكل ما ذكرناه من هذه الأسباب ـ وأسباب أخرى لم نأتِ عليها ـ تعدّ حجاباً يقع على القلب فتنحرف به عن الحقيقة الناصعة، وتوجب القسوة فيه بحيث يستوجب التعثر في الطريق الصحيح، ولا شك أننا نسير ونتذكر ما احتطبناه من قذارات معنوية، حطّمت فينا جمال الروح وجمال المعنى، وحطّمت فينا التقيد بذكر الله .. إننا لم نُخلق إلا وفي أيدينا قيد يجرنا إلى الطهارة والفطرة.
ولذا علينا أن نحذر أن يكون الله مجرد اسم في الذاكرة، وأن يتحول الإسلام إلى مجرد خاطرة في الذهن، لا موقع لعمقه في نفوسنا فنكون كما قال تعالى واصفاً اليهود والنصارى: ( وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )[68]، حيث تحوّل الكتاب عندهم إلى عنوان لا يحمل في داخل قلوبهم شيئاً من معانيه، وتحول الدين إلى انتماء فارغ من الروح لا يؤكد خطه في الحياة الفكرية والعملية لهم، فابتعدوا عن حيوية الرسالة وروحانيتها، وفقدوا الخشوع لذكر الله، فلم يبكوا خوفاً من عقابه، ولم يخضعوا رجاءً لثوابه، ولم يرجعوا إليه، أو يجلسوا بين يديه في شكوى العبد لسيده عندما تحلّ به المشاكل، أو تحاصرهم الأزمات، أو يشتد بهم الحرمان .. وهكذا ابتعدوا عن الله بالفكر والروح والحركة، فانحرفوا عن الخط المستقيم، وتمردوا على أوامره ونواهيه.
ومن هذا الموقع علينا أن نتبصر بالخطوات العملية لأئمتنا الكرام في ذكرهم لله، وحبهم له، والدعوة إلى سبيله وليس أروع استبصاراً من أن نلمّ بحقيقة مناجاة الأئمة مع الله في أدعيتهم، لأنّ الدعاء يمثل حالة الكشف الوجداني الرائع مع الخالق، وليس أروع من أن تكون النجوى بينك وبين الله فقط
9 ديسمبر، 2001 الساعة 7:10 ص #352401طـــلال
مشاركفالإمام زين العابدين (ع) يتململ في أسحاره، ويناجي ربه بهذا الدعاء العميق فيقول: « فمن يكون أسوء حالاً مني إن أنا نقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي، ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي، ومالي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت، فمالي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي إذ الخلائق في شأن غير شأني ».
إنّها صورة الموت التي يغفل الإنسان عنها دائماً، والتي أوصانا رسول الله (ص) أن نتذكرها لأنّ فيها علاجاً لهذه القسوة وعلاجاً للرغائب التي نحتطبها في هذه الدنيا، وتبعدنا عن ذكر الله عزّ وجلّ.
يقول الإمام الصادق (ع): « ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقلع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع »[69].
إلهي: « ارحم في هذه الدنيا غربتي، وعند الموت كربتي، وفي القبر وحدتي، وفي اللحد وحشتي، وإذا نشرت للحساب بين يديك ذل موقفي، واغفر لي ما خفي على الآدميين من عملي، وأدم لي ما به سترتني، وارحمني صريعاً على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وتفضل عليّ ممدوداً على المغتسل يقلبني صالح جيرتي
-
الكاتبالمشاركات
- يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.