مشاهدة 3 مشاركات - 1 إلى 3 (من مجموع 3)
  • الكاتب
    المشاركات
  • #363621
    خالد
    مشارك

    الصفة الغالبة على الإعلام العربي انه إعلام مسخر علناً لخدمة هدفين سياسيين أولهما أن يتجاهل أخطاء الحكومة والثاني أن يمجد منجزاتها الإدارية بكل وسيلة في حوزته بما في ذلك قصائد الشعر وأغاني الأطفال. وهما هدفان ينطلقان في الظاهر من خطة إعلامية مشروعة لكنهما في الواقع مجرد شاهدين صاخبين على غياب الشرعية بالذات.

    فالحكومة الوحيدة التي تملك حقا مشروعا في الدعاية لنفسها هي فقط الحكومة الحزبية القائمة على الانتخاب الحر والمعرضة للحساب و السقوط التي تضطر يوميا إلى مواجهة صوت المعارضة بصوت إعلامي مضاد. وهي حكومة صفتها الدستورية إنها لا تنفق على الدعاية من بنود الميزانية العامة بل من بنود ميزانية الحزب. وإذا غامرت ذات مرة بتبذير نقود المواطنين على الدعاية لنفسها فالعادة أن تفضحها معارضة غاضبة على مشهد من جمهور غاضب أمام محاكم علنية.

    في الوطن العربي ليس ثمة حكومة انتخابية واحدة وليس ثمة أحزاب ولا احد يحتاج إلى صوت إعلامي للرد على المعارضة لان المعارضة لاتملك صوتا في الأساس لكن سوق الدعاية الحكومية نفسها رائجة جدا بوسائل إعلامية متطورة جدا يصل حجم إنفاقها إلى ملايين الدولارات سنويا في بلدان تعاني من غياب الخبز.

    سبب هذا الرواج المستحيل أن الحكومات العربية تنفق على الدعاية لنفسها من بنود الميزانية العامة. وهي مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون بالسجن و الغرامة في أي نظام حزبي لكنها ليست مخالفة في ثقافة العرب السياسية التي نشأت في بيت سلطان مغرم بالإطراء ينثر الدنانير على رؤوس الشعراء يوميا. وقد تم تمريرها في يسر مطلق بمثابة تفسير عصري لما فعله السلطان دائما وتعلمت كل حكومة عربية على حدة أن تنفق على برامجها الدعائية علنا من ميزانية مخصصة لشراء خبز المواطن وزيته.

    بعد ظهور النفط تضاعف حجم الإنفاق فجأة بمعدل مرتين في السنة فبلغ مجموع ما أنفقته الحكومات العربية على إعلامها الموجه سنة 1980 أكثر من 500 مليون دولار بزيادة قدرها 400% عن ميزانية الإعلام العربي قبل 20 سنة وقد زاد هذا الذهب إغراء انه كان ذهبا مكدسا على الرصيف في خزانة مثقوبة لا تخضع للجرد القانوني ولاتنضب ولاتغضب ولاتحاسب.

    تحت ظروف مواتية من هذا النوع ازدهرت وسائل الإعلام الحكومي تقنيا وقفزت ألف سنة طويلة في خطوة واحدة فخرجت من عصر المتنبي إلى عصر التلفاز الملون والجريدة الدولية حتى بدا للوهلة الأولى أن الحكومات العربية قد اكتشفت لتوها نظرية جديدة في الإعلام الناجح من دون نظام حزبي لكن ذلك كان للوهلة الأولى فقط.

    يتبع ..

    #363647
    خالد
    مشارك

    أما في ارض الواقع فقد كانت نظرية الإعلام الحكومي فكرة قديمة من عصر المتنبي نفسه. وكان من الظاهر للعيان إنها تقوم على مخالفة دستورية صريحة وان النجاح الذي يتحقق بالخروج على القانون لا يسمى نجاحا إلا في إعلام فاشل جدا. وقد اثبت سير الأحداث أن الإنفاق على وسائل الإعلام العربي من بنود الميزانية العامة لم يكن حلا مفيدا بالنسبة إلى الإعلام العربي بل كان حلا مسموما بعرق المواطنين الفقراء ما لبث أن أصابه في الموضع المميت.

    فالشرط الأساسي للإعلام الناجح هو أن يتولى الإنفاق على نفسه بنفسه لكي يصبح مصدرا مشروعا للكسب ويتطور إلى حرفة مشروعة ناجحة وهو شرط يحتم بدوره أن يكون الإعلام سلعة ضرورية ويكون مفيدا ومتقنا وصاحب حق شرعي في قرش المواطن لكن مشكلة هذه المواصفات إنها لا تتوفر ببذل المال وحده بل ببذل المال و الجهد ضد معارضة قوية في مجتمع مفتوح للحوار قائم على تبادل المعلومات وقادر على ضمان حرية الرأي وإذا كانت الحكومات العربية قد اختارت أن تختصر نصف الطريق وتشتري لنفسها إعلاما ناجحا بنقود مواطنيها فان ذلك لم يمنحها إعلاما ناجحا بل منحها إعلاما طفوليا محروما من تجربة العمل ضد المعارضة وساذجا لهذا السبب مثل كلام الأطفال.

    أن الفروق المثيرة للحرج بين الإعلام الحكومي في بيئته العربية وبين الإعلام الحر في بيئته الحزبية فروق لا تختفي في إدراج الحكومات العربية بل تتجلى علنا في الصحف والإذاعات طوال الليل و النهار مثل عقاب لامرد له على تبذير حق المواطن في غير وجه الحق.

    اشهر هذه الفروق المعلنة أن الإعلام الحر شريك شرعي في الحكم بموجب بند معلن في نص الدستور فهو سلطة فعلية مثل الحكومات نفسها يتمتع بحصانة دستورية مثلها ويملك حق الرقابة عليها ويستطيع أن يتحداها في أي وقت أمام محاكم محايدة.

    في المقابل يبدو الإعلام العربي مجرد موظف حكومي بالأجر فليس ثمة دستور واحد في الوطن العربي يعتبر الإعلام سلطة شرعية أو يضمن له لقمة عيشه أصلا إلا بشرطين قاسيين أولهما أن يخدم حكومة لايعرف عنها شيئا والثاني أن يسكت عن كل شئ أخر يعرفه.

    وفي ظل هذين الشرطين لم يكن أمام الإعلام العربي سوى أن يتخلى عن وظيفة الإعلام نفسها وان يصبح شاعرا من دون أن يدري ويفعل مافعله المتنبي منذ ألف سنة فيهجو كافورا في دمشق ويمدحه في القاهرة بأسلوب شعري لايميزه عن شعر المتنبي سوى انه اقل موهبة وأثقل وطأة على الخزانة العامة.

    يتبع ..

    #363796
    خالد
    مشارك

    إن هذا الإعلام الشاعر يتورط تلقائيا بين مشكلتين: الأولى انه إعلام يستعمل وسائل عصرية واسعة الانتشار تخاطب ملايين المواطنين في جميع الأوقات. والثانية انه إعلام لا يملك شيئا هاما يقوله لهذه الملايين ولايعرف كيف يستحوذ على انتباهها باللغة المألوفة وحدها مما يضطره بالتالي إلى تبني حلول بلاغية بحتة غير مطوعة لخدمة الإعلام.

    أول هذه الحلول تمثل في استعمال صيغة الصفة وهي صيغة سحرية حقا تضاف إلى كل شئ فيصبح شيئا أخر في لحظة قصيرة ومن دون عناء إنها تلحق بحكومة غير شرعية فتصبح حكومة رشيدة وتلحق بوطن يعاني الزحام والعطش فيصبح وطنا ساميا إلى العلا وتلحق بمواطن حافي القدمين فيصبح مواطنا كريما صاحب حضارة عريقة ودين قويم فالصفة مثل عصا الساحر تستطيع أن تحقق جميع المعجزات لكنها مثل عصا الساحر أيضا حيلة لايصدقها الجمهور.

    وقد أفرط الإعلام العربي في استعمال الصفة سلبا وإيجابا وورط نفسه في قاموس سحري معد فقط لمخاطبة الأطفال فكلمة “الملك المفدى” مثلا كلمة لا تستطيع أن تخاطب رجلا ناضجا من دون أن تصبح كذبة علنية وكذلك كلمة “الرئيس الجليل والشعب الأصيل و الحكومة الرشيدة و الثورة المباركة والملك الساهر على شئون الرعية” وعشرات الصفات الخرافية الأخرى التي لايعرفها قاموس الإعلام إلا بمثابة مادة للضحك.

    ثاني الحلول البلاغية المفضلة لدى الإعلام العربي تمثل في استعمال صيغة المبالغة وهي أداة سحرية أكثر إثارة تضاف إلى الصغير فيصبح كبيرا جدا وتضاف إلى شجرة واحدة فتصبح غابة وتضاف إلى مصفاة للنفط المشرف على النفاذ فتصبح قلعة صناعية لبناء المستقبل وفي مجال المبالغة سجل الإعلام العربي لنفسه سجلا حافلا بأكثر فنون الكذب سذاجة وأقلها قدرة على التمويه وهو الكذب الذي لايخاطب أفرادا بل يخاطب امة بأكملها فعندما تنشئ الحكومة مزرعة يعم الخير الوفير أرجاء الوطن وعندما تبني الحكومة محطة كهرباء يدخل الوطن أنوار القرن العشرين وعندما يستقبل صغار التلاميذ ضيوف الحكومة تخرج الجماهير الحاشدة لاستقبالهم وعندما يتكلم رئيس الحكومة نصف الأمي يصبح كلامه توجيهات حكيمة وعندما يكون الناس في حاجة إلى ألف مستشفى تبني الحكومة مستشفيين مجهزين بأحدث المعدات لخدمة أبناء الشعب. فكل شئ يتضاعف حجمه أو ينقص إلى ما لانهاية بتغيير طفيف في زاوية النظر وفي نوع الأسلوب وهي حيلة بلاغية نافعة في تعليم الأطفال لأنها تشحذ قدرتهم على التخيل لكنها لاتعُلم المواطن المسئول شيئا سوى أن الإعلام غير جاد وغير مسئول.

    ثالث الحلول البلاغية المفضلة لدى الإعلام العربي تمثل في استعمال صيغة الحماسة لشد انتباه الجمهور فالإعلام الذي لا يقول شيئا هاما يضطر إلى أن يقول شيئا مثيرا وهو حل سحري أخر مهمته أن يحيل الكلمات إلى قذائف ويجعلها تنفجر ويتطاير من حولها اللهب ويسقط أمامها الأعداء صرعى من دون أن تسيل نقطة دم واحدة وقد أفرط الإعلام العربي في شن هذه الحرب الطفولية وخلق لنفسه لغة من الديناميت لا تكلم المواطن بل تنفجر فيه. فصوت الثورة يدوي في أذنيه والجماهير تهدر من حوله وأناشيده تزلزل الإذاعة ولغته رصاص وسماؤه نار وأرضه تستعر تحت قدميه كالسعير.

    وفي المقابل هذه العاصفة الحماسية لا يملك المواطن العربي صوتا في إعلان الحرب أو إقرار السلام ولا يستطيع أن يحمل سلاحا من دون أن يتعرض للعقوبة. ولم يسأله احد عن رأيه في أي حرب دخلتها الحكومات العربية وفي أي عصر وفي أي مكان.

    رابع هذه الحلول البلاغية المفضلة لدى الإعلام العربي تمثل في تفخيم اللقب السياسي إلى ابعد مما تحتمل السياسة نفسها وقد جال الإعلام الحكومي طليقا في هذا المجال المفتوح وأسبغ على حكامه من الألقاب ما تضاءلت بجانبه ألقاب السلاطين فذهب “خاقان البحرين” وجاء “بطل العروبة وحبيب الشعب و الرئيس الملهم و العاهل المفدى وأمل الجماهير” في وصلة شعرية بحتة لا مبرر لها في قاموس الإعلام سوى الجهل بطبيعة اللقب السياسي نفسه.” للتاريخ فقط أضيف مع الصادق النيهوم لقب جديد هو ( صاحب العظمة )!!”

    فالواقع أن اللقب السياسي لا يصلح للتفخيم لأنه ليس لقبا بل وظيفة تتغير تلقائيا بتغير نظام الإدارة فإذا كان الحاكم هو رأس الدولة وقلبها معا يصبح لقبه راس الدولة أو سيف الإسلام أو القاهر أو صاحب المعالي أو حبيب الملايين أما إذا كان الحاكم مجرد موظف إداري في دولة تحرسها مؤسسات جماهيرية فانه لا يملك لقبا أصلا سوى لقب السيد المدير. وقد نسي الإعلام العربي هذه العلاقة العلنية بين اللقب السياسي وبين نظام الحكم وانطلق يسبغ الألقاب على حكامه من دون حساب حتى وصل إلى لقب صاحب الجلالة واضطر الملوك إلى التدخل رسميا لمنع هذا اللقب الفرعوني من التداول وإغلاق فم الإعلام الفصيح قبل أن يتبين الناس فحوى كلامه.

    إن الحكومات العربية لم تكسب شيئا من وراء إعلامها الحكومي سوى الإحراج المعلن يوميا على مشهد من العالم بأسره في سجل مكتوب سوف يبقى مفتوحا أمام أجيال العرب طوال ألف سنة من الآن وهو مأزق اشترته الحكومات العربية لنفسها بنقود مواطنيها الفقراء ولن ينقذها من ويلاته سوى التوبة السريعة عن هذا السلوك السلطاني والكف عن تبذير المال العام على أغراض الدعاية السياسية وإطلاق سراح الإعلام لكي يكسب رزقه بعرق جبينه مثل كل حرفة شريفة فعلا.

    خارج هذا الوصف لا يكون الإعلام حرفة شريفة حتى بشهادة من حضرة الحكومة.

    .. الختام ..

مشاهدة 3 مشاركات - 1 إلى 3 (من مجموع 3)
  • يجب تسجيل الدخول للرد على هذا الموضوع.

يستخدم موقع مجالسنا ملفات تعريف الارتباط الكوكيز لتحسين تجربتك في التصفح. سنفترض أنك موافق على هذا الإجراء، وفي حالة إنك لا ترغب في الوصول إلى تلك البيانات ، يمكنك إلغاء الاشتراك وترك الموقع فوراً . موافق إقرأ المزيد